ليست كل البدايات الهادئة عابرة.
فبعضها يحمل في داخله ملامح قدر جميل، لا يحتاج سوى إلى لحظة صفاء كي يعلن عن نفسه.
هكذا جاءت تجربة الفنانة الشابة سمية الشرعي، التي لم تدخل عالم التشكيل من باب الادعاء أو الصخب، بل من باب الاكتشاف الداخلي، حين وجدت خلال سنوات الجائحة في اللون واللوحة فضاءً للتأمل والبوح، وامتداداً لما يختزن القلب من حساسية وخيال.
في زمن كان العالم فيه مثقلاً بالقلق، اختارت سمية الشرعي أن تنفتح على عالم آخر؛ عالم تصنعه بيديها، وتمنحه من روحها، وتترك فيه للون أن يقول ما تعجز عنه الكلمات.
شجعها زوجها واحتضنت موهبتها أسرتها الصغيرة، فكبرت التجربة بهدوء، وتحولت من ميل فطري إلى مسار إبداعي يستحق الالتفات.
ما يميز أعمال سمية الشرعي أنها لا تقف عند حدود الزخرفة أو المتعة البصرية.
ففي لوحاتها شيء من الذاكرة، وشيء من الحلم، وشيء من ذلك العمق المغربي الذي لا يصرخ بهويته، بل يلمّح إليها برقي.
هناك خيط خفي يصل تجربتها بجذور عائلية ضاربة في تاريخ مراكش، المدينة التي لا تورث فقط أسماءها وبيوتها وحكاياتها، بل تورث أيضاً حساً بالجمال، وميلاً إلى التناسق، وعلاقة خاصة بين الضوء والمادة والخيال.
غير أن سمية الشرعي لا تكتفي باستدعاء الذاكرة.
فهي تذهب بها نحو أفق حديث، حيث تتجاور الإشارات التراثية مع نزعة تشكيلية معاصرة، وتمتد المساحات اللونية بين التجريد والحدس، بين الانتماء والتحرر، بين ما تحفظه الذاكرة وما يبتكره الخيال.
لذلك تبدو لوحاتها كأنها حوار هادئ بين مراكش القديمة وروح امرأة معاصرة تبحث عن لغتها الخاصة.
تجربة سمية الشرعي تستحق التشجيع، لا فقط لأنها تجربة فنانة شابة، بل لأنها تحمل صدق البدايات ونبل السعي.
إنها حكاية امرأة وأم وجدت في الفن طريقاً إلى ذاتها، وحولت ظرفاً صعباً عاشه العالم إلى فرصة لاكتشاف النور الكامن في الداخل.
في زمن يحتاج فيه المشهد الثقافي إلى أصوات جديدة وحساسيات صادقة، تطل سمية الشرعي كموهبة واعدة، لا تزال في بداية الطريق، لكنها تملك ما هو أهم من التقنية وحدها: تملك الرؤية، والصدق، وذلك الخيط الرفيع الذي يجعل من اللوحة أثراً إنسانياً قبل أن تكون عملاً فنيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك