هناك احتراق لا تقيسه ساعات الدوام، ولا تكشفه التقارير، ولا تفضحه الإجازات القصيرة.
هناك احتراق وظيفي حين يصبح العمل الذي كنت تحبه عبئًا على صدرك، وتتحول المهام من رسالة إلى استنزاف، ومن شغف إلى واجب بارد، ومن حضور إلى مجرد بقاء، حينما يؤسد الأمر إلى غير أهله، تجد انك مهما عملت فلن يكون بالقدر الذي تؤمله.
وهناك احتراق إبداعي، تبدع تتفنن تاتي بكل قواك ثم تجد نفسك، خارج النطاق، وهناك من يأتي ليبجل فتجد نفسك تجلس أمام الفكرة فلا تأتي، وتمسك بالقلم فلا يطيعك، وتحدق في الصفحة البيضاء كأنها صحراء لا نهاية لها.
ليس لأنك فقدت موهبتك، بل لأن داخلك امتلأ بما يكفي حتى عجز عن الإنتاجية.
وهناك احتراق فني، حين يبهت اللون في عين الفنان، وتفقد الشغف، وتصبح اللوحة مجرد مساحة، والكلمة مجرد صوت، والمشهد مجرد صورة بلا روح.
كأن الجمال كان يسكنه ثم غادره قليلًا ليستريح.
وهناك احتراق جمالي، حين لا تعود الأشياء الجميلة تدهشك كما كانت، لا الغيم، ولا المطر، ولا الورد، ولا الوجوه الطيبة.
ليس لأن الجمال اختفى، بل لأن الروح أُنهكت حتى صارت تنظر ولا ترى.
وهناك احتراق صحبي، حين تتعب من كثرة العلاقات، من المجاملات، من خيبات الظنون، من شرح نفسك لمن لا يفهمك، ومن الحضور بين أناس لا يشعرون بغيابك، ولا يأبهون لأيابك، فتجد نفسك تميل إلى الصمت، لا كراهية في أحد، بل رحمة بنفسك.
وقس على ذلك احتراق الروح، واحتراق الحلم، واحتراق العطاء، واحتراق الصبر.
فالإنسان لا يحترق مرة واحدة، بل يتآكل على مراحل؛ مرة من ضغط العمل، ومرة من خذلان الأصحاب، ومرة من جفاف الإبداع، ومرة من كثرة ما يعطي ولا يجد من يربت على كتفه.
ولذلك لا بد أن ننتبه لأنفسنا قبل أن تنطفئ فينا الأشياء التي نحبها.
فالراحة ليست ترفًا، والانسحاب أحيانًا ليس ضعفًا، والصمت ليس دائمًا قطيعة، والبعد ليس جفاء؛ قد يكون كل ذلك محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من الضوء في الداخل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك