تشهد المنطقة في المشرق العربي حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار منذ 100 عام، وبشكل مكثف منذ 40 سنة على الأقل.
وقد ازداد تعمق هذا الاضطراب في السنوات الأخيرة بشكل لا يستطيع أحد أن يتنبأ بالمدى الزمني لاستمراره، خاصة بعد تسلم ترامب السلطة في أميركا، وبعد انفلات أطماع اليمين الإسرائيلي في اغتصاب الأراضي العربية واحتلالها، وبعد استمرار الضعف والتفك العربي.
فالأول يدعي أنه سوف ينهي الحروب في العالم، في الوقت نفسه الذي يتنقل فيه من حرب إلى أخرى، ومن تطلع استعماري تجاري إلى آخر.
اضافة اعلانويحفز خيالات ترامب الاستعمارية ما يصغي إليه من أحلام نتنياهو بالسيطرة على المشرق العربي دون منافس بما يسميه الشرق الأوسط الجديد مقابل استيلاء ترامب على نفط المنطقة بما فيها إيران.
وقد تبنى الشريكان ترامب ونتنياهو منهجاً بالغ الخطورة، وشرعا في العمل بمقتضاه، ألا وهو" السلام بالقوة" أي الاستسلام للطرف الآخر، وليس السلام بالتفاوض والتحاور والعدالة في المطالب.
وبعد أن عطل ترامب أعمال المؤسسات الدولية من أن تأخذ دورها في تطبيق القانون الدولي والإنساني وحل النزاعات، غدا العالم في نظر ترامب ساحة مفتوحة يقرر هو بمفرده ما يريد أن تكون عليه الأمور.
والمتابع للأحداث والحروب التي فتحها الثنائي نتنياهو وترامب يلاحظ خاصة بعد حربهما الثانية على إيران أن حالة الاضطراب في المنطقة قد تعمقت لتشمل كل قطاع وكل تطلع وطني وعربي دون استثناء، يشمل ذلك عبثية التحالفات وضياع الخطوط السياسية الإقليمية والدولية وتعطل السياحة وارتفاع أسعار النفط والغاز، وارتفاع أسعار الغذاء والنقل والتأمين، وازدياد معدلات الفقر والبطالة في معظم دول المنطقة ودخول عدد من دول أوروبا ودول الخليج العربية في أزمات لوجستية واقتصادية ومالية معقدة، وإمعان الاحتلال الصهيوني، دون أي رادع، في تدمير ما تبقى من غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان.
والسؤال الكبير هنا: " كيف يستطيع وطننا الأردن أن يحافظ على استقراره المتميز، ومواصلة نموه بكفاءة، وبناء إمكاناته السياسية والاقتصادية والتكنولوجية باقتدار؟ في ظل هذه الحالة التي من المتوقع أن تستمر لسنوات عديدة"؟ خاصة وأن الدول العربية المجاورة مثل سورية ولبنان والعراق وفلسطين تمر بحالة من الفوضى والاضطراب لا يتوقع لها أن تصل إلى نهاية لسنوات عديدة قادمة.
وهذا يستدعي العمل على عدد من المسائل من منظور مستقبلي يقوم على العلم والحكمة والجرأة على النحو التالي: أولاً: على الجانب السياسي فإن قوة الأردن تتجذر من خلال تغذية تماسكه الداخلي من منظور اجتماعي وآخر سياسي وإعلامي.
الأمر الذي يستدعي تعزيز المسار الديمقراطي وتمتين أساليب المشاركة المجتمعية، وإعطاء الفرصة للأحزاب الوطنية ولمنظمات المجتمع المدني الرصينة أن تكون فاعلة في التخطيط والعمل، وبالتالي إعطاء الاهتمام لتجسير فجوة الثقة بين الإدارة الحكومية وبين المواطن.
ثانياً: على الرغم من التأكيد على أهمية الإصلاحات الإدارية، فلا زالت ثمار الإصلاحات بعيدة نتائجها عن المواطن.
وهذا يتطلب أن يجري العمل على تحديد المشكلات الإدارية والفنية في كل مؤسسة بذاتها، ليصار إلى وضع البرامج اللازمة للإصلاح لتلك المؤسسة، بدلاً من الانطلاق في التعميمات وإعادة الهيكلة والدمج والفك والإلغاء والإنشاء.
كل ذلك في إطار تنفيذ البرامج التي تغير من عقلية وثقافة وأسلوب عمل الموظف ليكون في خدمة المواطن وليس للسيطرة على شؤونه.
ثالثاً: إن استمرار عدم الاستقرار في دول الجوار بما في ذلك دول الخليج العربي والضائقة الاقتصادية في أوروبا من شأنه أن يدفع الاستثمار الأجنبي إلى التردد والابتعاد عن المنطقة بأسرها.
وهذا يستلزم من الحكومة الاعتماد على التمويل الوطني للمشاريع وخاصة المشاريع الكبرى وتلك التي لها نتائج إيجابية على العمالة، والمشاريع التي تقام في المحافظات.
ومن هنا فإن الانخراط في الاقتصاد الاجتماعي والتوسع في إنشاء الشركات المساهمة العامة للتمويل الوطني وكذلك التعاونيات، كل ذلك سيتيح الفرصة للتغلب على نقص الاستثمار الأجنبي، ويعز من انتماء المواطن لمشاريعه.
رابعاً: إن استمرار عدم الاستقرار وتعمقه سوف يفاقم من معدلات البطالة لدينا، خاصة وأن هناك احتمالات لعودة أعداد من المغتربين الأردنيين في الخليج إلى بلدهم، ولدينا ما يقرب من 800 ألف أردني يعملون في مختلف أقطار الخليج.
الأمر الذي يتطلب تحضير العديد من مجموعات المشاريع الإنتاجية التي يمكن للعائدين أن ينخرطوا فيها ويطلقوا أعمالاً جديدة وخاصة في المحافظات، لا أن تذهب مدخراتهم لشراء العقار فقط.
خامساً: من المتوقع أن ترتفع كلفة النقل الداخلي والخارجي بنسبة قد تصل إلى 100 % بسبب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وأسعار مستلزمات النقل، وهذا يستدعي، وكما يؤكد الكثير من الخبراء، العمل على توسيع سكة الحديد المراد إنشاؤها لتمتد من العقبة إلى عمان ثم إربد إلى الحدود السورية.
كما يستدعي الأمر إبرام اتفاقيات توريد للنفط الخام والغاز مع السعودية والعراق والعمل على إنشاء خطوط أنابيب لنقل النفط.
وإذ ذاك يمكن للأردن أن يعمق من استقراره الاقتصادي لينمو بمعدلات أكبر، ويصبح فعلاً مركزاً لوجستياً للمنطقة بأسرها.
إضافة إلى المزايا الاقتصادية والبيئية والمجتمعية التي توفرها هذه المشاريع.
سادساً: بينت الحروب أن واحداً من أهم أسباب تفوق العدو الإسرائيلي هو التقدم العلمي والتكنولوجي وتوظيف ذلك في القطاعات الاقتصادية المختلفة وفي مقدمتها الصناعات التكنولوجية والزراعة والمياه وفي الصناعات العسكرية وغيرها.
وهنا لا بد للدولة من دفع الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي ليتجه نحو البحوث التطبيقية في كل قطاع بما في ذلك الصناعة والزراعة.
حيث سيشكل ارتفاع أسعار الأغذية مشكلة بالغة التعقيد.
سابعاً: إن مثلث" الغذاء والطاقة والمياه" يمثل المنظومة الأكثر تأثراً بحالات عدم الاستقرار كما يمثل الخاصرة الضعيفة للاستقرار الوطني على المدى المتوسط والبعيد، والتي يحاول الاحتلال الصهيوني توظيفها للضغط على الأردن.
الأمر الذي يتطلب مراجعة كاملة لسياسات الطاقة والمياه وإنتاج الغذاء للتوسع في الطاقة المتجددة على المستوى الفردي والمؤسسي، والتوسع في التكنولوجيا المائية وإنشاء المشاريع بشكل تراكمي، ومساهمة الدولة مع التعاونيات والقطاع الخاص في الصناعات الغذائية، بل والاستثمار المنظم فيها سواء في إنتاج الغذاء ومستلزماته من أسمدة وكيماويات أو في تصنيع المنتجات.
وأخيراً، وفي إطار السياسة المعتدلة المتزنة للدولة، والقيادة النبيهة لجلالة الملك، فإن إنشاء" فريق مؤقت" للتوسع في دراسات متطلبات الاستقرار الدائم، وقرار الدولة بزيادة الإنفاق على البحث العلمي التطبيقي، والتمويل الوطني للمشاريع، والمشاركة الفاعلة لمنظمات المجتمع المدني كل ذلك يحتل المكانة الأولى في دعم جهود المحافظة على استقرار الوطن وتعزيز إمكاناته الداخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك