عمان - فيما نص مشروع قانون وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، على منح الوزارة صلاحية إجراء محطات تقويمية في أي مرحلة من المراحل التعليمية، واعتماد هذه المحطات من ضمن معايير توزيع الطلبة على المسارين الأكاديمي والمهني، إلى جانب دورها في قياس مدى تحقق نواتج التعلم والكفايات وتشخيص أداء الطلبة، يبرز تساؤل جوهري حول الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه المحطات في تطوير العملية التعليمية، ومدى قدرتها على إحداث تحول نوعي في منظومة التقييم التقليدية، بما يسهم بتحسين جودة التعليم، وتعزيز دقة قياس نواتج التعلم، وتوجيه مسارات الطلبة نحو المسارين الأكاديمي والمهني بصورة أكثر فاعلية وواقعية؟ اضافة اعلانوبحسب ما ورد في الفقرتين (أ) و(ب) من المادة (21) من مشروع القانون لسنة 2026، والذي أقرّه مجلس النواب مؤخرا بالأغلبية، بعد أربع جلسات متتالية، تنص الفقرة (أ) منه، على أن" للوزارة إجراء محطات تقويمية في أي مرحلة من المراحل التعليمية، ولها اعتماد هذه المحطات من ضمن معايير توزيع الطلبة على مساري التعليم الأكاديمي والمهني، على أن تُحدد شروط وإجراءات كل محطة تقويمية وشؤونها المالية بمقتضى تعليمات يصدرها الوزير لهذه الغاية".
أما الفقرة (ب) فتنص على أنه" لغايات هذه المادة يقصد بعبارة (محطات تقويمية): إجراء تقييمي تنفذه الوزارة في وقت محدد لقياس مدى تحقق نواتج التعلم والكفايات وتشخيص أداء الطلبة".
خبراء في مجال التربية، رأوا أن هذه المحطات، مدخل تربوي حديث، يعكس تحولا نوعيا من ثقافة القياس التقليدي إلى ثقافة تركز على تحسين التعلم وجودته، معتبرين بأن لها دورا محوريا بتطوير التعليم، وتسهم بتغيير دور المعلم من ناقل للمعلومة إلى ميسر وموجه ومقيم محترف، قادر على تصميم أدوات تقييم أدائي وتقديم تغذية راجعة للطلبة، كما تساعد نتائجها بتصحيح مسار التعلم، عبر تمكين المعلم من تشخيص الفجوات في التعلم، وتعديل إستراتيجيات التدريس.
وبينوا في أحاديث منفصلة لـ" الغد، أن أهمية هذه المحطات تكمن في قدرتها على تقديم صورة دقيقة عن تعلم الطلبة، بدلا من اختزال تقييمهم في امتحان نهائي واحد، معتبرينها فرصة إصلاحية، يمكنها نقل التقييم من أداة للفرز إلى أداة للتطوير، لبناء نظام تعليمي قادر على إعداد الطلبة للحياة والعمل، إذا ما طُبقت بعدالة ومهنية، وربطت بالمناهج والتدريس والإرشاد والتدريب.
تحديث منظومة القياس والتقويموفي هذا السياق، أكد الخبير التربوي محمد الصمادي، أن ما نص عليه القانون، خطوة تحديثية لمنظومة القياس والتقويم، مشيرا إلى أنه يمنح الوزارة صلاحية تنفيذ محطات تقويمية في المراحل التعليمية، واعتماد نتائجها ضمن معايير توزيع الطلبة على المسارين الأكاديمي والمهني، إلى جانب دورها بقياس نواتج التعلم والكفايات وتشخيص الأداء.
وأوضح بأن هذه المحطات، إذا طُبّقت بطريقة سليمة، فيجب فهمها كمدخل لإعادة بناء ثقافة التقييم، مبينا أن أهميتها تكمن بقدرتها على تقديم صورة دقيقة ومستمرة عن تعلم الطلبة، بدلا من اختزال تقييمهم في امتحان نهائي واحد.
ففي التعليم المبكر، تكشف عن مستوى اكتساب المهارات الأساسية والاستعداد للتعلم، وتحديد الحاجة لتدخلات علاجية أو إثرائية.
أما في المرحلة المتوسطة، فتعد أداة لرصد تطور الكفايات الأساسية والمهارات الحياتية والرقمية، وتحديد الفجوات قبل تفاقمها، فيما تأخذ في المرحلة الثانوية بعدا توجيهيا يساعد على قراءة ميول الطلبة وقدراتهم قبل توجيههم نحو المسارات التعليمية المناسبة.
مشيرا إلى أن قيمة هذه المحطات، توفر بيانات يمكن أن تُستخدم كمرآة مهنية لتشخيص نقاط القوة والضعف في الممارسات الصفية، وتمكين الإدارات المدرسية والمشرفين من تصميم برامج دعم قائمة على الأدلة، بدلا من الاعتماد على الانطباعات.
وقال إن التقويم الحديث يتجاوز قياس التحصيل إلى طرح أسئلة أعمق، تتعلق بنوعية التعلم والكفايات المتحققة، ومدى ملاءمة المناهج وأساليب التدريس والبيئة المدرسية، مؤكدا أن المحطات التقويمية يمكن أن تسهم في ربط مكونات العملية التعليمية كافة، شريطة تحليل نتائجها بعمق، وعدم الاكتفاء بقراءتها بشكل رقمي سطحي.
وشدد الصمادي على أن القيمة النوعية لهذه المحطات، تتعزز عندما تكون جزءا من إطار وطني شامل للتقييم، يجمع بين أدوات متنوعة مثل الاختبارات، والمهام الأدائية، وملفات الإنجاز، والملاحظة المنظمة، بما يتيح قياس مهارات التفكير الناقد، وحل المشكلات، والتواصل، والعمل الجماعي، والإبداع، والمهارات الرقمية، وليس مجرد الحفظ والاسترجاع.
وأكد أن من أبرز ما يمكن أن تحققه هذه المحطات، هو الحد من هيمنة الامتحان التقليدي كأداة فرز نهائية، واستبداله بتقييم أكثر عدالة وشمولا، يقوم على تتبع الأداء عبر الزمن، ويمنح الطلبة فرصا متعددة لإظهار تعلمهم، ويزوّد صانع القرار ببيانات أدق لتطوير السياسات التعليمية.
وأوضح الصمادي بأن هذه المحطات يمكن أن تلعب دورا محوريا إذا استُخدمت كأداة إرشاد تربوي، تستند إلى مزيج من تحصيل الطالب وميوله وقدراته، لتعزيز مكانة التعليم المهني التقني وإبراز أهميته، لافتا إلى أن نجاح تطبيقها، يتطلب توافر عدة شروط، منها وضوح نواتج التعلم، وتنوع أدوات التقييم، واستخدام النتائج لتحسين التعليم لا لتصنيف الطلبة أو المدارس، وبناء منظومة رقمية لتحليل البيانات، وإصدار تقارير تربوية دقيقة، وربط النتائج ببرامج علاجية وإثرائية فاعلة.
وقالت الخبيرة التربوية د.
حنان العمري، إن المحطات التقويمية في التعلم والتعليم، تمثل مدخلا تربويا حديثا، يعكس تحولا نوعيا من ثقافة القياس التقليدي لثقافة تركز على تحسين التعلم وجودته، موضحة بأنها نظام متكامل يبدأ قبل التدريس، ويستمر أثناءه وبعده، بحيث يصبح التقويم جزءا أصيلا من التعلم وليس منفصلا عنها.
وبينت العمري، أن هذه المحطات تعتمد على جمع بيانات وأدلة متعددة حول تعلم الطلبة باستخدام أدوات متنوعة، لقياس مدى تحقق نواتج التعلم وتوجيه العملية التعليمية نحو التحسين المستمر، مشيرة إلى أن التقويم التربوي، لم يعد يقتصر على إصدار الأحكام، بل يؤدي دورا محوريا بدعم التعلم وتعزيزه، بتشخيص مستويات الطلبة قبل التعلم، ومتابعة تقدمهم أثناءه، وتقييم مخرجاتهم في نهايته، وتوفير تغذية راجعة نوعية لتطوير ممارسات المعلم وتعزيز وعي الطالب بمستواه التعلمي.
وأضافت العمري، أن المحطات التقويمية تُنفذ عبر مراحل مترابطة تشمل التقويم التشخيصي، والتكويني، والختامي، بما يضمن استمرارية التقويم وتحويله لأداة تطوير حقيقية ببناء تعلم تراكمي عميق، مؤكدة أن التطبيق الفاعل لهذا النهج، يحدث نقلة في التعليم.
وأشارت العمري، إلى أن المحطات التقويمية، تحقق اتساقا حقيقيا بين ما يُدرّس وما يُقاس، حيث يساعد التقويم التشخيصي ببناء التعلم على أسس دقيقة، بينما يعمل التقويم التكويني على تصحيح مسار التعلم أولا بأول عبر التغذية الراجعة المستمرة، في حين يقدم التقويم الختامي صورة شاملة عن مدى تحقق نواتج التعلم، ما يتيح اتخاذ قرارات تربوية قائمة على بيانات واقعية.
وبيّنت أن هذا التكامل ينعكس إيجابا على جودة مخرجات التعليم، عبر رفع مستوى تحصيل الطلبة، وتنمية مهاراتهم المعرفية والعملية، وتعزيز قدرتهم على توظيف المعرفة في مواقف حياتية، وتقليل الفاقد التعليمي، مؤكدة أن نظم التقويم الحديثة توفر بيانات دقيقة، تطور المناهج وتحسين استراتيجيات التدريس وصنع قرارات تعليمية أكثر فاعلية.
ولفتت العمري، إلى أن أثر المحطات التقويمية يمتد ليشمل الصحة النفسية للطلبة.
في حين أن التقويم التكويني القائم على التغذية الراجعة الداعمة، يعزز الثقة بالنفس والشعور بالكفاءة.
مضيفةأن هذا النهج يتقاطع مع أهداف التنمية المستدامة، بخاصة الهدفين الرابع المتعلق بالتعليم الجيد، والثالث المرتبط بالصحة الجيدة والرفاه، إلى جانب دوره بتعزيز جاهزية الطلبة لسوق العمل، مشيرة لوجود تحديات تعيق تطبيق هذه المحطات، أبرزها ضعف تأهيل المعلمين في التقويم الحديث، وضيق الوقت، وكثافة الصفوف، وثقافة التعليم القائمة على الامتحانات والدرجات، ومحدودية البنية التحتية التكنولوجية في بعض البيئات، وضغوط أولياء الأمور لتحقيق نتائج رقمية مرتفعة.
وشددت العمري، على أن نجاح هذا النظام، يتطلب وضوح نواتج التعلم وقابليتها للقياس، وتنوع أدوات التقويم، وبناء قدرات المعلمين مهنيا، وتوفير بيئة تعليمية داعمة، وتحقيق الاتساق بين التخطيط والتدريس والتقويم، ونشر ثقافة تربوية تركز على جودة التعلم بدل الاقتصار على الدرجات.
الخبير التربوي عايش النوايسة، أكد أن ما ورد في القانون، نقلة نوعية في فلسفة التقييم التربوي، مشيرا إلى أن اعتماد هذه المحطات يعكس تحولا عميقا في التعليم، يقوم على التقييم القائم على الأداء والكفايات الفعلية.
موضحا بأن هذا التحول يُعرف بالتقييم الواقعي، الذي يقيس ما يستطيع الطالب إنجازه وتطبيقه، بدلا من الاقتصار على ما يحفظه أو يسترجعه.
وبين أن طبيعة هذه المحطات، تختلف باختلاف المراحل التعليمية، بما يتناسب مع الخصائص النمائية للطلبة.
مؤكدا أن لهذه المحطات دورا محوريا بتطوير العملية التعليمية، إذ تسهم بجعل المعلم، قادر على تصميم أدوات تقييم أدائي وتقديم تغذية راجعة نوعية للطلبة.
كما تساعد نتائجها بتصحيح مسار التعلم باستمرار، عبر تمكين المعلم من تشخيص الفجوات في تعلم الطلبة وتعديل استراتيجيات التدريس بشكل فوري، في إطار التقويم البنائي.
ولفت إلى أن اعتمادها يدفع نحو تطوير المناهج، بتقليل التكدس المعرفي والتركيز على نواتج تعلم قابلة للملاحظة والقياس العملي، ويعزز استخدام بيئات تعلم متنوعة، كالمختبرات والمكتبات والبيئات الرقمية والمحاكاة، لكسر الجمود في الصفوف التقليدية.
موضحا بأن هذه المحطات، تمثل تحولا جذريا في منظومة التقييم.
مشيرا إلى أنها توفر تقارير تفصيلية قائمة على معايير واضحة، تُظهر نقاط القوة والضعف لدى الطلبة، ما يساعد على بناء خطط علاجية وإثرائية دقيقة، ويحد من ظاهرة الغش.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك