الجولان لم يعد ملفاً منفصلاً، بل بات جزءاً من معادلة أوسع تشمل مشاريع الاستيطان، والتحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السورييحمل المشروع الإسرائيلي الأخير في الجولان السوري المحتل دلالة بالغة الخطورة.
فخطة توسيع الاستيطان وتوطين سكان إسرائيليين جدد لا تقتصر على زيادة عدد الوحدات السكنية، بل تهدف إلى إعادة تشكيل بنية سكانية وأمنية واقتصادية جديدة في أرض تُعدّ محتلة وفق القانون الدولي.
ويعزز هذا المسار السيطرة الإسرائيلية عبر بناء مرافق جديدة وتوسيع المنظومتين الإدارية والأمنية، بما يفرض واقعاً جديداً يعقّد تفكيك قضية الجولان أو إدراجها في أي تسوية مستقبلية بين سوريا وإسرائيل.
ومنذ عام 1967، حين احتلت إسرائيل الجولان، شرعت في تغيير معالمه الديموغرافية والجغرافية.
لم يكن الاحتلال حينها مجرد سيطرة عسكرية مؤقتة على مرتفع استراتيجي، بل ترافق مع تهجير واسع للسكان السوريين، وتدمير قرى ومزارع، وقطع الصلة بين من تبقى من الأهالي ومحيطهم السوري الطبيعي.
وبذلك بدأ تشكيل واقع جديد يقوم على إفراغ الأرض من سكانها الأصليين، ثم إعادة ملئها تدريجياً بمستوطنات إسرائيلية ذات وظيفة أمنية وسياسية واضحة.
وتعاملت إسرائيل مع الجولان باعتباره منطقة ذات أهمية استراتيجية مضاعفة.
فهو يشرف على جنوب سوريا وشمال فلسطين المحتلة، ويتصل بجبهات حساسة تمتد نحو لبنان والأردن، فضلاً عن أهميته المائية والزراعية.
لذلك لم يكن الاستيطان فيه مشروعاً سكانياً عادياً، بل أداة لتثبيت السيطرة على مساحة تُعد في الحسابات الإسرائيلية خط دفاع متقدماً.
ومع مرور الوقت، تحولت المستوطنات من نقاط انتشار محدودة إلى شبكة مدنية وعسكرية متداخلة، هدفها خلق واقع يصعب التراجع عنه في أي تسوية لاحقة.
ومع إقرار الكنيست «قانون الجولان» عام 1981، حاولت إسرائيل نقل هذا الواقع من مستوى السيطرة العسكرية إلى مستوى الضم القانوني الداخلي، عبر فرض قوانينها وإدارتها على الأرض المحتلة.
وفي عام 2021، شكّل قرار الحكومة الإسرائيلية بالمصادقة على خطة لتوسيع الاستيطان في الجولان محطة مهمة في هذا المسار، فقد عكس انتقالاً من إدارة الاستيطان بوتيرة محدودة إلى تبنّي سياسة حكومية معلنة تستهدف زيادة عدد المستوطنين، وتطوير مستوطنة «كتسرين»، وإقامة تجمعات جديدة.
وتأتي المشاريع الاستيطانية الحالية امتداداً لهذا النهج، لكنها تبدو أكثر شمولاً وتنظيماً من المراحل السابقة.
فهي لا تقتصر على بناء وحدات سكنية جديدة، بل تشمل تطوير بنية تحتية متكاملة، وخلق فرص عمل، وجذب استثمارات، وربط المستوطنات بالمراكز الإسرائيلية عبر شبكات نقل وخدمات.
ويعكس هذا التحول انتقالاً من مرحلة تثبيت الوجود إلى مرحلة تعميقه، بحيث تصبح المستوطنات قادرة على النمو الذاتي اقتصادياً واجتماعياً، لا مجرد تجمعات تعتمد على الدعم الحكومي المباشر.
وحذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته في 29 نيسان/أبريل الماضي، من أن الخطة التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية في 17 نيسان/ابريل الماضي لتوسيع الاستيطان في الجولان السوري المحتل تمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي.
وأوضحت المنظمة أن الخطة، التي تشمل تمويلاً حكومياً لنقل آلاف المستوطنين الإسرائيليين وتطوير البنية التحتية للمستوطنات، تسهم في تغيير الواقع الديموغرافي في أرض محتلة.
واعتبرت أن هذه الإجراءات تُنفّذ ضمن سياق أوسع من التوسع الاستيطاني والتصعيد العسكري، بما في ذلك التوغلات وفرض القيود على السكان السوريين، وهو ما قد يرقى إلى جرائم حرب وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.
في موازاة هذا التوسع، يتصاعد النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا بشكل لافت، مع تحليق جوي مكثف، وإطلاق قنابل مضيئة، ونصب حواجز مؤقتة، وعمليات دهم واعتقال، إضافة إلى قصف محدود طال بعض المواقع.
ولا تبدو هذه التحركات منفصلة عن المشروع الاستيطاني الأوسع في الجولان السوري المحتل، بل تتكامل معه من حيث الهدف والنتيجة.
فبينما تسعى الخطط المدنية إلى ترسيخ الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة، تعمل التحركات العسكرية على توسيع هامش السيطرة في محيطها الجغرافي، وخلق منطقة ضغط مفتوحة في الجنوب السوري.
ولا تقتصر آثار هذا التصعيد على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الحياة اليومية للسكان.
فإغلاق الطرق، واستهداف الرعاة، والاقتراب من المناطق السكنية بالقصف أو التفتيش، كلها عوامل تخلق حالة خوف مستمرة، وتدفع بعض العائلات إلى النزوح المؤقت أو تقليص نشاطها الاقتصادي.
كما أن استهداف الأراضي الزراعية والمراعي ومحيط السدود يربط الضغط العسكري مباشرة بمصادر عيش السكان، ما يجعل السيطرة على الموارد جزءاً من أدوات فرض الواقع الجديد.
وفي هذا السياق، لا يظهر التصعيد الميداني بوصفه حدثاً أمنياً منفصلاً، بل جزءاً من حسابات أوسع ترتبط بمستقبل الجنوب السوري، وبقدرة إسرائيل على مواصلة التحرك العسكري داخل سوريا من دون قيود كبيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك