في معظم ما تصدره من أعمال أدبية، في الرواية والقصة القصيرة، تنشغل الكاتبة العراقية أنعام كجه جي حد الهوس، بالهم العراقي.
لا يبارح مخيلتها ما يحدث في هذا البلد العظيم وما يحدث له، مسكونة بالناس وحكاياهم المثيرة، وتتابع على الدوام أثر الاستبداد والديكتاتورية على حياتهم، ثم أثر الحروب وتداعياتها على الجميع، من خلال تتبع مسارات نماذج من البشر تستحق ما يروى عنها.
هؤلاء الذين فضلوا اللجوء إلى المنافي هربا من الواقع المرير، حيث يحاصرهم الحنين إلى الماضي الذي لا يعود، بكل عذاباته، والحاضر الذي لم يكتمل.
إنهم ضحايا الحالة البينية، بكل ما تحمله من توتر يولد بطبيعته صراعا نفسيا مستمرا، تحت وطاة إعادة تعريف الذات خارج الحدود التقليدية للانتماء، وبعيدا عن نشاتها الجغرافية الأولى، مسقط الرأس ومصدر اللغة والعادات.
تنطلق الكاتبة من فوق المساحات البعيدة عن الوطن الأم، حيث الحياد السردي والتعامل بهدوء مع وجهات النظر المختلفة.
تمر بين الشخصيات من دون انحيازات مسبقة او انتصار لأيديولوجيا بعينها.
فنحن أمام أحوال بشر تجمعهم اللغة والانتساب إلى أرض واحدة، لكن تفرق بينهم الديانة والطائفة والأيديولوجيا، ألف سبب للانقسام والفتن.
لقد أرادت الكاتبة أن تجمعهم في مكان واحد، عبر حيل فنية متقنة تملك سلطة الإقناع داخل الرواية، حتى لو كانت تعتمد الخيال المطلق للوصول إلى الواقع، والعمل على إماطة اللثام عن أحداثه فقرة بعد أخرى.
وهي تستمد من حقبة الديكتاتورية وما تلاها أحداث الرواية، اعتمادا على ذاكرة الشخصيات كمصدر رئيس للسرد، يأتي على هيئة اعترافات، تسترجع فيها الشخصيات ما مضى من حياتها بعيدا عن التشوش والإنكار، فقد أصبحوا جميعا في مأمن من الحساب، ومن الأصدقاء والأعداء على حد سواء.
إنهم يستعيدون تجارب سياسية في معظمها، فالعراق بلد رهين السياسة، ومواطنوه، بكل طوائفهم، ضحيتها.
لا يوجد بيت هناك كتبت له النجاة من لعبتها الدامية.
مع بدء قراءتي لهذا العمل، وتحديدا الفصل الأول المعنون باسم شخصية «حاتم الحاتمي»، توقعت أني سأطالع رواية أصوات تعتمد تيار الوعي والتداعي الحر عبر ضمير المتكلم/ الأنا، لتعطي الاعترافات حميمية الصدق الذي يوفره البوح الباطني، ويضفي عليها نوعا من الألفة الجالبة للتعاطف.
لكن الكاتبة فضلت، في بقية الفصول إلا قليلا، التواجد عن طريق ضمير الغائب الذي يمثل الراوي العليم كلي المعرفة، وكأنها ترفع الحرج عن أبطالها، فتحكي ما لم يستطيعوا الاقتراب منه أو تناول احداثه، رغم المشاعر التي تنتاب المغترب وتجعله يراقب نفسه والآخرين بوعي نقدي حاد.
نحن هنا أمام أربع شخصيات يجمعها مكان واحد ويكتب عنها راو يشيد المسرح الذي ستدور عليه الرواية، وهو هنا مدينة بازل السويسرية.
نتعرف إليهم مباشرة من خلال الفصل المعنون بـ«فضفضة».
غزوان: خريج سجون ومن محبي آل البيت.
هكذا قاموا بتعريف أنفسهم للدكتور بلاسم، العراقي الخامس، الذي أطلقوا عليه لقب «حلال العقد».
يعمل طبيبا في مركز لمكافحة الإدمان في ضواحي مانشستر، وقد اقترحوا عليه الإشراف على دورة صيفية في بازل لعلاج بعض اللاجئين بأدوية جديدة فعالة وبجلسات الفضفضة، دون استجوابات تبدو كتحقيقات الشرطة، معتمدا على الاسترسال وإتاحة الكلام للجميع دون كوابح شرقية.
شرح لهم خطة العمل، بدءا من الاعتراف بالعلة والحاجة إلى المساعدة، ولا بأس من الامتثال للأساليب المتبعة في المصحات النفسية: أن يحكي كل واحد وقائع حياته التي أوصلته إلى ما هو فيه، أن يتذكر ويروي، ويتسلل إلى الزوايا المعتمة.
إنها مكاشفة ستضع اليد على عقدة كل منهم، وستكون هناك عقاقير موازية تعمل على الانسلاخ والتحرر.
هو أيضا شخصية محورية في الرواية، له حكايته التي تستحق أن تروى.
منذ أن كان طفلا صغيرا يحلم بأن يكون طبيبا نفسيا، عاملا في مناجم أعماق البشر، مكافحا من أجل هدفه حتى وصل إلى مانشستر واستقر فيها بمهنته.
ثم جاءته هذه المغامرة المثيرة، يجالس أربعة غرباء لا يعرفهم ولا يعرف أحدهم الآخر، يتكاشفون في صيف سويسري دائم المطر.
هناك أيضا شخصية أخرى، هي سندس، ابنة بشيرة حسون، الرقة، نبع الماء الصافي في بحيرة متعكرة كما تصفها الكاتبة، والتي ستنشأ بينها وبين الطبيب قصة حب ترطب أجواء صيف بازل، بعيدا عن العراق وآلامه وذكرياته الموجعة.
لقد هيأت شركات الأدوية لهذه المجموعة إقامة في سكن جامعي على طرف المدينة، كل شيء منظم ودقيق دقة ساعة سويسرية.
تبرز لنا الكاتبة التفاوت الحضاري عبر أكثر من مشهد، فتوضح أن السويسريين قوم يحترمون البيئة والطبيعة والغابات والغيوم.
تفرض عليهم غرامات باهظة إذا خلطوا بقايا الطعام مع القناني الفارغة.
كل شيء موصوف في دفتر تعليمات: مواقف الحافلات، أسعار التذاكر، نوع العملة المحلية، تقلبات الطقس، أرقام شرطة الطوارئ، مفاتيح النداءات الخارجية، ومواقف الدراجات.
لا يتركون شيئا للمصادفة.
إنه النظام والمبالغة في الحرص، بما يظهر التناقض بين الشرق والغرب في اللحظة المعاصرة.
تحولات التاريخ، وضعف البنية السياسية لدينا، والتراجع المؤسف للمؤسسات العلمية.
ولماذا لا نشرك الغرب أيضا في أحد أسباب هذا التراجع الذي سببته غزواته الاستعمارية؟ بينما هو، في المقابل، استجابة لتحولات عميقة في عصر النهضة والثورة الصناعية، وتطور الأنظمة السياسية والاقتصادية اعتمادا على المؤسسات، متخذا مسارات تاريخية مختلفة خلقت فجوة تراكمية بيننا وبينه مع مرور الزمن.
الحديث ذو شجون، وقد يجر هذه السطور إلى الابتعاد عن العمل واجترار الحسرة والألم، لكن، على أي حال، الرواية تفجر هذه الإحالات، وتوقظ في الذاكرة مشاهد كثيرة من التراجع العربي، من خلال العناصر المطمورة في باطن هذا العمل، وتجعلنا ننظر بغضب إلى الإشكالات الضاربة في الحوكمة: ضعف المؤسسات، محدودية المشاركة السياسية، غياب الشفافية، والاستبداد المطلق الذي يدمر الدول ويحولها إلى أنقاض.
لقد استطاعت أنعام كجه جي تفكيك الذاكرة العراقية في المنفى من خلال وضع عدة تجارب فردية تحت المجهر لكشف تمزقات جماعات أوسع، عبر تناثر الأسئلة في هذا الفضاء الجغرافي عن الإنتماء والهوية، وعن الماضي العراقي للشخصيات وحاضرها الآني.
ربما منذ اللحظة الأولى للعنوان، الذي يكشف عن هذا التوتر وتركيبة الجملة المسكونة بالتضاد «صيف سويسري»: الصيف المشبع بالضوء والدفء، بينما سويسري يعطي انطباعا عكسيا بالحياد والبرودة.
فصل حار داخل فضاء بارد، يحيلنا مقدما إلى قراءة كل ما يلي باعتباره مغايرا للمتوقع.
ثم اشتغال الرواية على ثنائية الحضور/ الغياب، الداخل مقابل الخارج، الشخصيات والأماكن، الماضي مقابل الحاضر، والتي تستدعيها الذاكرة في عملية بحث دائم عن المعنى، عبر هذا الاختلاف: الصمت مقابل الكلام.
هل يعيش هؤلاء الناس في الغربة وفق قوانين مجتمعهم الأصلي الذي خرجوا منه، أسرى للمواصفات القديمة، أم أنهم تحرروا من تلك العادات؟لا تعمل الكاتبة على حل هذه المسائل، ولا تضع إجابات لها، لكنها تطرح كل ذلك في مجراه الطبيعي المنسجم مع الأحداث، من خلال اللجوء إلى بعض التعميمات التي تخص حياة أبطالها، والتركيز على ما يثير الانتباه: هل تغير جوهر هذه الشخصيات؟تاركة التخمين والتقديرات المختلفة للقارئ وحده.
فعلى سطح الرواية، ومن خلال التحليل النفسي، واللاوعي الفرويدي، لا يوجد محو أو نسيان، تطفو الأسئلة وتعلو على الجواب.
فكل شخصية تخلف انطباعا مغايرا، يصعب معه معرفة مع من يتعاطف القارئ، وعلى من يصب غضبه، نتيجة هذا السرد الحيادي الذي يخفي وجهة النظر ويبتعد عن تجييش المشاعر.
فنحن أمام موزاييك، لوحة فسيفساء معقدة، لكنها تعبر عن مكونات وطن واحد، تعددت طوائفه، لكنها نشأت جميعا على وجع واحد.
انه جيل ولد في دبابة، كما يقول الدكتور بلاسم لسندس الجميلة.
في هذه الرواية نتابع مع الكاتبة معالم بازل، نمر عبر كثير من الدروب، ونتعرف إلى أهم معالمها، لكننا نكتشف أنها تخفي وجها آخر من وجوه الرأسمالية المتوحشة، ينغص على المرء التعرض له.
فهناك، بجانب معرض بيكاسو الذي ينم عن احترام للفن وتقدير له، وقصة اللوحة التي أقيم من أجلها متحف للفنان الشهير في قلب المدينة الصغيرة كأحد معالمها، هناك أيضا بازل البنوك واتحاد المصارف السويسرية، الذي يكتشفه حاتم الحاتمي أثناء تجواله، ليقف مبهوتا أمام المبنى الشاهق.
تتعارك في رأسه الأفكار: هنا، إذا، يحتفظ أبناء الأفاعي بحسابات الرؤساء الفاسدين، يحرسونها تحت أرقام سرية، عائدات النفط، المساعدات الدولية، أموال صناديق التقاعد، أموال العمالة للمخابرات الغربية، نقود العمولات المشبوهة والصفقات الوهمية، حصص بيع الوطن بالتقسيط.
بازل: الخزنة الجامعة لثروات المارقين من عالمنا التعس.
هذا وجه من وجوه بازل المخملية، التي تعيش على مص دماء شعوب تاكل الهواء.
ثم ننتقل إلى ذكرى أخرى، محفورة على جدران تاريخ هذه المدينة، فقد مر تيودور هرتزل من هنا، مؤسس الصهيونية العالمية، بهذه المدينة المزدحمة بالمتاحف وقاعات الفن والموسيقى، ليقيم المؤتمر الصهيوني الأول، مناديا بوطن يجمع يهود العالم في مكان واحد.
حدث ذلك في صيف 1897، مقترحا على وجهاء اليهود الذين لبوا دعوة الحضور إلى بازل أكثر من مكان: أوغندا في افريقيا، الأرجنتين في أمريكا الجنوبية، وفلسطين في آسيا، وسط سخرية البعض منهم، اذ شعروا أن هذا البرنامج محض خيال.
لكن في ظرف ثلاثة أيام تم تأسيس منظمة صهيونية وضعت العين على فلسطين، قلب العالم العربي، ليبدأ يهود الشتات في جمع الأموال وتنظيم الهجرات إلى «الأرض البهية» لتحقيق الحلم التوراتي، دولة يهودية من النيل إلى الفرات، لتبدأ مع تلك اللحظات التحولات التاريخية الكبرى في عالمنا العربي.
أمة تعاني من الحروب والاستعمار والاحتلال، والنظم المستبدة التي تعمل لحساب الغرب إلا ما رحم ربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك