غزة ـ «القدس العربي»: وسط استهتار حقيقي بكل المطالبات الدولية لإنهاء أزمات قطاع غزة، في ظل المخاوف من انتقال الأوضاع الإنسانية والصحية بشكل عام إلى ما هو أسوأ، تمضي إسرائيل في سياسات الضغط الميداني والقتل والحصار، بهدف تحقيق أهدافها الرامية لتدمير كل أسس الحياة، وإبقاء قطاع غزة منطقة غير قابلة للحياة، وهي الخطة التي بدأت فيها منذ أكتوبر 2023 حين شرعت بحرب الإبادة.
وبشكل منهجي وعنيف واصلت قوات الاحتلال هجماتها على قطاع غزة، ولوحظ أن أيام الأسبوع الماضي لم تقتصر على عمليات القتل اليومي التي كان يرتقي خلالها شهداء بينهم أطفال ونازحون في الخيام، ولم تقتصر أيضا على تشديد إجراءات الحصار رغم الإنذارات الدولية بتفاقم الأوضاع الإنسانية على مستوى الغذاء والدواء، بل صعدت بشكل خطير حين أثبتت من جديد مضيها في خطط الإبقاء على احتلال الجزء الأكبر من القطاع، وذلك بتوسيع نطاق الخط الأصفر ليلتهم مساحات جديدة من المنطقة الممتدة من جنوب مدينة غزة حتى شمال المنطقة الوسطى في القطاع، بعد أن أقامت على طول هذا الخط مؤخرا العديد من «الثكنات العسكرية»، كما سجل عودة تلك القوات الإسرائيلية لعمليات نسف ما تبقى من منازل ومباني داخل «الخط الأصفر» الذي يلتهم أكثر من 53 في المئة من مساحة قطاع غزة.
وشهد قطاع غزة هجمات دموية، أدت إلى ارتقاء ضحايا جدد، عندما هاجم الطيران الحربي الإسرائيلي من جديد مناطق في العمق بعيدة عن «الخط الأصفر»، فاستهدف ساحات عامة وشوارع ومناطق يسكنها من أجبروا على النزوح القسري، ضمن خطة تهدف إلى إبقاء الضغط على السكان.
مجمل هذه التطورات الميدانية كانت تسير في خط متوازي مع إجراءات أخرى مؤلمة تمثلت في تشديد الحصار المفروض على السكان، فأبقت سلطات الاحتلال على كميات السلع قليلة الحجم التي تسمح بوصولها للسكان الذين يعانون جميعهم من ويلات وتبعات الحرب ومن الجوع وقلة الحال، حيث لم تسمح أيضا بمرور الكثير من الأدوية ومستلزمات الإيواء، كما أبقت على منع دخول المواد اللازمة لمواجهة خطر القوارض والحشرات التي باتت تشكل خطرا يهدد حياة سكان غزة، وينذر بانتشار الأمراض المعدية والخطيرة.
على الصعيد الميداني أيضا، كانت قوات جيش الاحتلال تزيد من توغلها غربا فيما تبقى من مناطق القطاع، عندما قامت بتوسيع نطاق «الخط الأصفر» من المنطقة الجنوبية الشرقية لحي الزيتون، حتى منطقة جسر وادي غزة شمال المنطقة الوسطى، لتحرم بذلك السكان من الوصول إلى تلك المناطق، وتهجر عوائل جديدة تقطن على مقربة من مناطق التوسع الاحتلالي، بعدما استخدمت في تطبيق هذا الأمر قوة النار، إذ قتلت في اليوم الأول لتوسيع هذه الخط ثلاثة مواطنين، عندما تواجدوا على مقربة من الخط.
وكان هذا الأمر يتم في الوقت الذي كانت فيه قوات لاحتلال تقوم بأعمال نسف كبيرة في المناطق التي تحتلها شرق مدينتي غزة وخان يونس، دلل عليها صوت الانفجارات الضخمة التي كانت تسمع من المناطق الغربية لتلك المدن.
وبهذه الهجمات أثبتت إسرائيل أنها لا تريد التوجه نحو الحل والمضي في تطبيق اتفاق التهدئة وخاصة البنود التي تقفز عنها وقد وردت في الاتفاق المبرم مع فصائل المقاومة برعاية أمريكية مصرية قطرية تركية.
ودلل على ذلك ما أعلنه صراحة رئيس أركان جش الاحتلال الجنرال إيال زامير، حين قال إن قواته يجب أن تبقى في قطاع غزة وسوريا ولبنان، بزعم أن «الأمن طويل الأمد غير مضمون»، وأكد ذلك خلال اجتماع لتحديث عملياتيّ لقادة الجيش الإسرائيلي، بمشاركة كبار قيادات الجيش من جميع القيادات والأقسام والفروع، وعُقد في قاعدة «رامات دافيد» الجوية.
ونقل عن زامير قوله إن قواته «لا تزال في خضمّ حملة (عسكرية) متعددة الجبهات»، وأضاف «سيواصل الجيش الإسرائيلي العمل على إرساء واقع أمني جديد»، كاشفا أنهم قاموا بإنشاء مناطق دفاعية متقدمة في جميع القطاعات على خطوط المواجهة في قطاع غزة وسوريا ولبنان، وشدد على أن جيشه سيبقى يحتل هذه المناطق «حتى يتم ضمان أمن سكّاننا على المدى الطول»، وأضاف أيضا «تجري حاليًا ثلاثة مفاوضات، بقيادة القيادة السياسية، في جبهات مختلفة: إيران ولبنان وغزة.
وتستند هذه العمليات إلى إنجازات الجيش الإسرائيلي»، وحين تحدث عن القتال على الجبهات قال «قد يستمر عام 2026 عامًا من القتال على كل جبهة».
ولذلك قال حازم قاسم الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في تصريح صحافي، «إن تحريك جيش الاحتلال الخط الأصفر مئات الأمتار غربا، يعد انتهاكا خطيرا لاتفاق وقف إطلاق النار»، لافتا إلى أن هذه العملية صاحبها إطلاق نار وقصف وتهجير وقتل مواطنين، ما يتطلب موقفا واضحا من الوسطاء، وأكد في ذات الوقت أن «مجلس السلام» بات عاجزا تماما عن وقف خروقات الاحتلال والقتل والتهجير والنسف وتقييد المساعدات.
وبات أن الهدف من ذلك هو الضغط على فصائل المقاومة للقبول بما تطرحه إسرائيل، من أجل تنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وبالأخص بند «نزع سلاح المقاومة»، الذي ترفضه حركة حماس ومعها فصائل المقاومة الشريكة.
وعن ذلك أكد مسؤول في أحد هذه الفصائل لـ«القدس العربي»، أنهم يتوقعون أن تستمر هذه الهجمات، وأن تنتقل إلى مراحل جديدة أخرى في الفترة القادمة، من أجل الضغط على قيادة المقاومة، التي ترفض مقترحات «مجلس السلام»، وما تطلبه إسرائيل لـ«نزع سلاح المقاومة»، وأشار إلى اتصالات أجريت مع الوسطاء مؤخرا، طلب فيها التدخل العاجل من أجل وقف هذه الهجمات التي تعيق أي تقدم في التفاوض الخاص بالمرحلة الثانية، والمفترض أن تبدأ أحد جولاته قريبا، حيث من المتوقع أن تقدم فيها حركة «حماس» ردها على آخر المقترحات التي قدمت لها، لتجاوز الأزمة التي خلفها مقترح «مجلس السلام» الذي قدمه الممثل السامي للمجلس نيكولاي ملادينوف للحركة.
كذلك أكد الدكتور إسماعيل الثوابتة مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة لـ«القدس العربي»، أن المعطيات الميدانية الموثقة لديهم تشير إلى أن قطـــاع غــزة شـــهد خلال الأيام الماضية «تصعيداً خطيراً في وتيرة الجرائم المرتكبة بحق المدنيين».
وأوضح أن جيش الاحتلال واصل تنفيذ هجمات مكثفة استهدفت تجمعات سكانية وخيام إيواء ومناطق مدنية مكتظة، إلى جانب الاستهداف المقصود لعناصر في الشرطة الفلسطينية، «في انتهاك جسيم لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب»، مؤكدا أيضا أن هذا التصعيد يأتي ضمن سياق نمط ممنهج ومتواصل من الانتهاكات، وأوضح أن العدد التراكمي للخروقات اليومية بلغ أكثر من 2560 خرقاً حتى مطلع الأسبوع الماضي، منذ أن دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بما يعكس استخفافاً واضحاً بكافة التفاهمات والالتزامات الدولية.
وأكد الثوابتة لـ«القدس العربي»، أن المؤشرات الميدانية والإحصائية تؤكد وجود تدرج واضح في تصعيد العمليات العسكرية، سواء من حيث كثافة الاستهداف أو طبيعة الفئات المستهدفة، وأن الاحتلال انتقل من القصف واسع النطاق إلى تكثيف الاستهداف المباشر للأفراد، بما في ذلك داخل خيام النزوح، في دلالة خطيرة على توسيع نطاق الجريمة وتعميق آثارها، بالتوازي مع ذلك، يعزز تدني مستوى التزام الاحتلال الإسرائيلي بالاستحقاقات الإنسانية هذا المسار التصعيدي، حيث لم تتجاوز نسبة إدخال المساعدات 37 في المئة، فيما بلغت نسبة الالتزام بفتح معبر رفح 28 في المئة فقط، مؤكدا أن ذلك يعكس استخداماً ممنهجاً للأدوات العسكرية والإنسانية في إطار سياسة تضييق الخناق على السكان المدنيين.
وأشار إلى أن مجمل هذه المعطيات تؤكد أن ما يجري ليس حوادث متفرقة، بل يأتي ضمن سياق تصعيدي متدرج ومنهجي ومقصود من قبل الاحتلال، ليشمل خيام النزوح، وتقليص مقومات الحياة الإنسانية، وهو ما يرقى إلى نمط متكامل من الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب تحركاً دولياً عاجلاً لوقفها ومساءلة مرتكبيها.
أما قيادة القوى الوطنية والإسلامية، فأكدت أن الاحتلال يواصل خروقاته في قطاع غزة من خلال الاستهداف بالقتل والحصار والتدمير، وعدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه، بما في ذلك تنفيذ مراحل وقف العدوان، وقالت إن هذه السياسات تهدف إلى تكريس الاحتلال والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
هذه التحذيرات الفلسطينية من خطط الحرب الإسرائيلية ترافقت مع تقارير دولية جديدة أشارت إلى صعوبة الوضع الإنساني والمعيشي في غزة، حيث أعربت الممثلة الجديدة لمنظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، الدكتورة رينهيلد فان دي ويردت، بعد زيارتها إلى قطاع غزة، عن صدمتها من كم الدمار الهائل، وأشارت إلى أن غالبية العائلات الفلسطينية لا تزال نازحة، وتعيش في خيام وسط الركام، معتمدة على المساعدات الإنسانية لتلبية أبسط احتياجاتها الأساسية، وأكدت أنه على الرغم من سريان وقف إطلاق النار، إلا أن «الضربات الجوية، والقصف المدفعي، وإطلاق النار لا تزال مستمرة».
وتطرقت إلى موضوع خطير للغاية، يتمثل في وجود بلاغات عن إصابة أكثر من 17 ألف حالة مرتبطة بالقوارض أو بالطفيليات الخارجية بين النازحين في غزة، كما أبلغت أكثر من 80 في المئة من مواقع النزوح عن تسجيل إصابات جلدية، مثل الجرب، والقمل، وبق الفراش، لافتا إلى أن هذا يعد «نتيجة مؤسفة، ولكنها متوقعة، عندما يعيش الناس في بيئة معيشية منهارة»، وأكدت حاجة المنظمة وشركاءها في المجال الصحي إلى إدخال المعدات والإمدادات المختبرية إلى غزة، مشيرة إلى أن هذه المعدات والإمدادات لا يتم إدخالها إلى غزة.
وطالبت في ذات الوقت بتوفير الحماية للعاملين في قطاع الصحة والرعاية الصحية، والسماح بدخول الأدوية والمستلزمات الأساسية إلى غزة، وشددت على ضرورة إزالة الإجراءات البيروقراطية وقيود الوصول المفروضة على هذه الأدوية والمستلزمات الأساسية المعترف بها عالميا.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية، أن الظروف الخطيرة في غزة «لا تزال تعيق جهود التعافي»، وأن معدلات الإصابة بالعدوى لا تزال في ارتفاع بين العائلات الفلسطينية، فيما يفتقر العاملون في المجال الصحي إلى الإمدادات والأدوات اللازمة للاستجابة، وأشارت إلى أن الأضرار التي لحقت بالقطاع الصحي وحده بلغت بنحو 1.
4 مليار دولار أمريكي، بعدما دمر أكثر من 1.
800 مرفق صحي بشكل جزئي أو كلي.
أما رئيس دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام في الأرض الفلسطينية المحتلة، جوليوس ديرك فان دير والت، فقد أشار إلى الخطر الدائم الذي تشكله الذخائر غير المنفجرة المنتشرة في أرجاء القطاع المدمر، والتي أصبحت «راسخة أو مغروسة داخل الأنقاض في المرحلة الراهنة»، حيث حذر من هذا الخطر الذي يهدد السكان، عندما قال «لم نخدش سوى السطح فيما يتعلق بفهم مستوى التلوث بالذخائر الذي سنواجهه في غزة»، وأشار إلى الصعوبات التي تواجه العائلات التي لا تستطيع العودة إلى منازلها، وأراضيها الزراعية، ومصادر رزقها التي كانت تعتمد عليها قبل الحرب، بسبب تلك الذخائر، مؤكدا أن جهود التعافي المبكر قد تعطلت بشكل جوهري قبل أن يتسنى لها حتى أن تبدأ، مؤكدا أن «الذخائر المتفجرة تخنق مستقبل غزة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك