غزة ـ «القدس العربي»: وسط غابة من النايلون والأقمشة البالية في مخيمات النزوح بمدينة دير البلح، لا يكسر رتابة الحزن والانتظار سوى مشهد انبعاث الدخان من مواقد بدائية.
هنا، خلف جدران الخيام، تدور معركة من نوع آخر؛ بطلاتها نساء قررن ألا يستسلمن لواقع «الإبادة» والجوع، فحملن المنخل والمنقاش ليصنعن من الدقيق الشحيح قصصاً للرزق وأخرى للجود.
لم يعد المعمول وكعك العجوة مجرد ترفٍ موسمي، بل تحول في مخيمات غزة إلى مشروع اقتصادي صغير لإعالة أسرٍ فقدت معيلها، وإلى بلسم يداوي انكسار أطفالٍ نسوا طعم الحلوى.
تحت سقف خيمتها الضيقة، تجلس صباح بدوان (42 عامًا)، التي كانت حتى وقت قريب تدير متجراً صغيراً للمخبوزات في قلب مدينة غزة قبل أن تسويه الطائرات بالأرض.
اليوم، تفترش الأرض وتضع أمامها وعاءً كبيراً من العجين، بينما يتولى أبناؤها الصغار مهمة جمع الحطب لإيقاد الفرن الطيني الذي شيدته بيديها.
تقول صباح لـ«القدس العربي» وهي تنقش حبات الكعك بدقة متناهية: «النزوح لم يسلبنا بيوتنا فقط، بل سلبنا كرامتنا المالية.
وقوفي أمام هذا الموقد البدائي لساعات طويلة وسط الدخان ليس اختياراً، بل هو ضرورة لكي أطعم أطفالي الخمسة.
أبيع الكعك للنازحين بأسعار تتناسب مع قدراتهم المنهكة، لكي أوفر ثمن ربطة خبز أو علبة حليب».
وتضيف بنبرة يختلط فيها الفخر بالألم: «المهنة التي كنت أمارسها في ظروف الرفاهية، أمارسها اليوم في ظروف قاسية.
أفتقد الأفران الكهربائية والمواد الخام الفاخرة، لكنني أكتشف أن البركة تكمن في الإصرار.
كل قطعة كعك تخرج من هذا الفرن الطيني هي رسالة بأننا لا ننتظر المساعدات فحسب، بل نصنع حياتنا بأيدينا».
في منطقة المواصي بخان يونس، تواجه سلوى أحمد (35 عاماً) تحدياً من نوع آخر؛ وهو الارتفاع الجنوني في أسعار المكونات الأساسية.
فكيلو السكر أو السمن أصبح يعادل ميزانية أسرة لأسبوع كامل، ومع ذلك تصر على الاستمرار.
توضح سلوى لـ«القدس العربي»: «تصل تكلفة صناعة الكعك اليوم إلى أرقام خيالية بسبب ندرة الطحين الأبيض والسكر.
لكنني اتفقت مع جاراتي في الخيام المجاورة على نظام المقايضة أو التعاون؛ واحدة توفر الحطب، وأخرى تساعد في العجن، لكي ننتج كميات نستطيع بيعها بأسعار رمزية».
وترى سلوى أن الكعك في المخيم أصبح عملة نفسية أكثر منه سلعة تجارية، قائلة: «الناس هنا يحتاجون لأي شيء يشعرهم بأنهم لا يزالون بشراً، وأن هناك رائحة في المخيم غير رائحة الموت.
حين يشتري نازح قطعة كعك واحدة لطفله، هو لا يشتري حلوى، بل يشتري لحظة استقرار وهمية وسط هذا الجنون».
على الجانب الآخر من المعاناة، وتحديداً في مخيمات غربي غزة التي تعاني من حصار مطبق، تبرز تجربة مريم محمود.
مريم لم تتخذ من صناعة الكعك باباً للرزق فحسب، بل جعلت منه مشروعاً للتكافل الاجتماعي.
تخصص مريم يومين في الأسبوع لخبز كميات من الكعك وتوزيعها مجانًا على أطفال المخيم، وخاصة اليتامى منهم.
تقول مريم لـ«القدس العربي»: «الحرمان في غزة لا يطال البطون فقط، بل يطال الأرواح.
رأيت أطفالاً يبكون لأنهم اشتهوا رائحة الكعك المنبعثة من بعض الخيام ولا تملك عائلاتهم ثمنه.
قررت أن يكون جهدي هذا صدقة جارية عن أرواح من فقدناهم».
تصف مشهد التوزيع الذي يتحول إلى تظاهرة صغيرة من الفرح: «حين يحيط بي الأطفال بابتساماتهم الخجولة، أشعر أنني أنجزت ما لم تفعله المنظمات الدولية.
قطعة كعك صغيرة قد تنسي الطفل دوي الانفجارات للحظات.
هذا هو انتصاري الصغير على الحرب».
يرى مختصون اجتماعيون وناشطون أن هذه المبادرات النسائية تمثل خط الدفاع الأول عن الهوية والتماسك المجتمعي.
الناشطة سماح أبو غياض تشرح هذا الدور قائلة: «المرأة الفلسطينية في المخيم تعيد تعريف الصمود.
هي ليست مجرد نازحة تنتظر دورها في طابور الكوبونات، بل هي منتجة ومبادرة.
صناعة الكعك وسط الركام هي عملية هندسة نفسية للمجتمع».
وتتابع لـ«القدس العربي»: «هذه الممارسات تخلق دورة اقتصادية مصغرة داخل المخيم، وتقلل من حدة الشعور بالعجز.
كما أن توزيع الكعك مجاناً يعزز قيم (العونة) الفلسطينية القديمة، مما يحمي النسيج الاجتماعي من التآكل تحت ضغط الفقر الشديد والفاقة».
هذا الإصرار على العمل خلف مواقد الحطب ليس بلا ثمن، بل يدفعه جسد المرأة النازحة من صحتها وعافيتها.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، المخاطر الجسيمة التي تواجه هؤلاء النسوة اللواتي يقضين يومهن في مواجهة الدخان السام.
يقول الدكتور البرش: «إن العمل المستمر لساعات طويلة أمام (موقد النار) البدائي يترك آثاراً صحية كارثية وقاسية على عيون وصدور هؤلاء النساء، إلا أن دافع الأمومة والبقاء يبدو أقوى من الدخان الحارق.
إنها قصة نساء يرفضن أن يقتصر دورهن على البكاء، فيحولن (الرماد) إلى أدوات إنتاج رغم المخاطر».
ويتابع خلال حديثه لـ«القدس العربي»: «نحن نرصد في المراكز الطبية والمستشفيات الميدانية تزايداً في حالات الفشل التنفسي المزمن والتهابات الرئة الحادة نتيجة استنشاق نواتج احتراق غير مكتملة، حيث تضطر النساء لحرق البلاستيك والكرتون لافتقارهن للحطب والغاز، ما يبعث غازات سامة تترسب في الحويصلات الهوائية وتؤدي إلى تلف دائم في الأنسجة التنفسية».
ويضيف: «أن هذه المواقد البدائية تتسبب أيضاً في إصابات عينية خطيرة؛ فالتعرض المباشر للحرارة العالية والأدخنة الملوثة يؤدي إلى عتامة القرنية وجفاف العين الحاد».
ويوضح: «أن ما تقوم به المرأة النازحة هو تضحية بالجسد مقابل البقاء؛ فهي تدرك أن دخان الموقد يحرق صدرها، لكنها تراه الوسيلة الوحيدة لإطعام أطفالها.
إننا أمام جيل من الأمهات اللواتي سيعانين لسنوات طوال من تبعات هذه الظروف البدائية التي فُرضت عليهن قسراً، في ظل انعدام أبسط مقومات السلامة الصحية».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك