في مثل هذه اللحظات الفاصلة، لا أجدني أكتب بوصفي ناقلا لحدث، بل بضمير مواطن يشعر بأن الكلمة نفسها أصبحت جزءا من معركة الوعي؛ فما بين خطاب حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبين ما تبعه من مواقف وطنية متلاحقة، تبلورت أمامي صورة واضحة: أن الوطن ليس مجرد مساحة نعيش فيها، بل أمانة تُختبر بها المواقف، ويُقاس بها صدق الانتماء.
لقد جاء خطاب جلالة الملك المعظم حاسما، صريحا، لا يترك مساحة للالتباس، واضعا الجميع أمام حقيقة واحدة: أن الولاء لا يتجزأ، وأن الانتماء لا يقبل الرمادية.
ولم يكن غريبا أن تلقف هذا الخطاب وجدان الناس ومواقف المؤسسات؛ فبادرت الجهات الوطنية – وفي مقدمتها الأسرة الصحافية – إلى تأكيد مسؤوليتها في حماية الوعي، والكشف عن كل محاولة تستهدف تشويهه أو اختراقه.
وأنا أقرأ تلك الدعوات، وأتأمل ما ورد في بيانات الجمعيات الوطنية، أستحضر معنى عميقا ظل يتردد في داخلي: أن أخطر ما قد يواجه الأوطان ليس فقط العدوان الظاهر، بل ذلك التسلل الخفي إلى العقول، حيث تُلبس المواقف الباطلة لبوس الحق، وتُقدَّم الخيانة في ثوب الرأي أو الحرية.
وهنا تحديدا، تصبح الكلمة أمانة، ويغدو الصمت أحيانا تفريطا، والموقف الواضح واجبا لا يحتمل التأجيل.
ولعل ما زاد المشهد وضوحا، ذلك الموقف الحاسم الذي اتُّخذ حيال ما صدر من بعض أعضاء مجلس النواب في الجلسة الماضية؛ فقد أعاد هذا الحزم الأمور إلى نصابها سريعا، وأثبت أن الدولة – بقيادتها – لا تترك مساحة للتردد حين يتعلق الأمر بثوابت الوطن؛ فجاء الاعتذار الصريح من النواب الثلاثة، ليؤكد أن المراجعة والعودة إلى جادة الصواب ممكنة حين تكون البوصلة واضحة، وحين يُدرك الجميع أن الوطن فوق كل اعتبار.
إن هذا الاعتذار، بما تضمنه من تأكيد للولاء ورفض للعدوان وإقرار بالخطأ، لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان انعكاسا مباشرا لهيبة الموقف الوطني، ورسالة بأن الحسم حين يكون في موضعه، يعيد ترتيب المشهد، ويُعيد تعريف الخطأ والصواب بوضوح لا يقبل الجدل.
وفي خضم ذلك، لا يفارقني ذلك المعنى الذي قرأته وتأملت فيه طويلا: أن العهود أمانات، وأن خيانة الأوطان من أعظم صور الإخلال بها، وأن الإنسان قد يُبتلى بمواقف تختبر صدقه، كما تُمحِّص الشدائد معادن الرجال.
إنني أرى – كما يرى كل مخلص – أن المرحلة الراهنة ليست مرحلة مجاملة، ولا مساحة للاجتهادات المترددة، بل هي لحظة اصطفاف صريح؛ إما مع الوطن، أو ضده، ولا مكان فيها للحياد الرمادي الذي يُربك الصف، أو يُضعف الجبهة الداخلية.
ومن هنا، فإن مسؤولية الإعلام، وكل صاحب كلمة، تتضاعف اليوم؛ فليس المطلوب فقط نقل المواقف، بل حمايتها من التحريف، وتعزيز الوعي بها، والكشف عن كل خطاب يحاول أن يتسلل إلى الناس تحت عناوين براقة وهو يحمل في طياته ما يضر بالوطن ووحدته.
لقد علمتنا هذه اللحظة درسا بالغ الأهمية: أن وضوح القيادة يصنع وضوحا في المجتمع، وأن الحزم حين يكون منضبطا بالقيم، لا يقمع الرأي، بل يحمي الثوابت.
كما علمتنا أن الخطأ، مهما كان مصدره، يمكن أن يُصحح حين تكون هناك مرجعية وطنية لا يُختلف عليها.
أكتب هذه الكلمات وأنا أزداد يقينا بأن البحرين، بقيادتها وشعبها، تملك من الوعي ما يجعلها عصية على الاختراق، ومن التماسك ما يجعلها قادرة على تجاوز كل التحديات، وأن ما جرى لم يكن مجرد حدث عابر، بل محطة أعادت تأكيد أن هذا الوطن يعرف كيف يصحح مساره، ويحمي نفسه، ويصون هويته.
“الوطن أمانة.
والوعي به هو أول خطوط الدفاع، ومن وضوح الموقف تبدأ قوة الأوطان”.
*عضو جمعية الصحفيين البحرينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك