أزمات معيشية وخدمية متفاقمة تهز مناطق الحكومة اليمنية وتثير مخاوف من تراجع الثقة بالإصلاحاتشهدت محافظة تعز، السبت، احتجاجات شعبية غاضبة تنديدًا بتفاقم أزمة الغاز المنزلي وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من موجة احتجاجات أوسع قد تؤدي إلى شلل الحركة العامة في المحافظة.
وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة اقتصادية وخدمية مركبة تضرب مناطق نفوذ الحكومة في الجنوب والشرق، مع استمرار شح السيولة النقدية، وارتفاع أسعار الوقود، وعدم انتظام صرف الرواتب، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المواطنين وقلّص قدرتهم على تلبية متطلبات الحياة اليومية.
ومع اتساع الأزمة، اتجهت كثير من الأسر إلى تقليص إنفاقها والتركيز على الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع الضرورية وتراجع القدرة الشرائية، فيما اضطرت أسر أخرى إلى اللجوء إلى بدائل خدمية خاصة بتكاليف إضافية تفوق إمكاناتها.
وفي العاصمة عدن والمدن الساحلية، تتفاقم أزمة الكهرباء مع دخول فصل الصيف، إذ تصل ساعات الانقطاع إلى نحو 18 ساعة يوميًا، بالتزامن مع تراجع إنتاج الطاقة إلى نحو 165 ميجاوات من أصل قدرة إنتاجية متاحة تقارب 400 ميجاوات، نتيجة عدم توفر الوقود اللازم للتشغيل.
كما تشهد عدن وعدد من المدن الرئيسة تصاعدًا في أزمة المياه، وسط فجوة واضحة بين العرض والطلب.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الكميات المتوفرة سنويًا في عدن لا تتجاوز 43.
8 مليون متر مكعب، مقابل احتياج سنوي يقدَّر بنحو 87.
6 مليون متر مكعب.
وترى دراسة حديثة صادرة عن Berghof Foundation أن أزمة الخدمات في اليمن لم تعد مرتبطة بالجانب الفني فقط، بل باتت انعكاسًا مباشرًا لتداعيات الصراع واختلالات الإدارة الحكومية، مؤكدة أن تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار يتطلب تحييد المؤسسات الخدمية عن التجاذبات السياسية، وإصلاح منظومة الإيرادات، والانتقال من المعالجات الطارئة إلى استثمارات مستدامة.
وتواجه الحكومة تحديات مالية متزايدة منذ توقف الصادرات النفطية أواخر عام 2022، إلى جانب امتناع بعض المحافظات عن توريد إيراداتها إلى البنك المركزي في عدن، وهو ما انعكس على قدرة مؤسسات الدولة في الوفاء بالتزاماتها التشغيلية والمالية، وأثار مخاوف متنامية من تآكل ثقة الشارع ببرامج الإصلاح الاقتصادي.
ويرى المحلل الاقتصادي ماجد الداعري أن ما تشهده مناطق الحكومة اليمنية يمثل انعكاسًا لاختلال بنيوي عميق في إدارة الملفين المالي والاقتصادي، في ظل غياب رؤية استراتيجية قادرة على التعامل مع التحديات المتراكمة.
وأوضح أن أزمات الوقود والغاز وارتفاع الأسعار وانعدام السيولة ليست أزمات منفصلة، بل مظاهر مترابطة لأزمة واحدة تفاقمت بفعل غياب السياسات الاقتصادية الفاعلة، واستمرار الاعتماد على معالجات جزئية قصيرة الأمد.
وأشار إلى أن الحكومة، رغم مرور سنوات على نقل البنك المركزي إلى عدن، لم تنجح في تقديم إطار إصلاحي متكامل، الأمر الذي أبقى تدخلاتها في حدود ردود الفعل، دون قدرة حقيقية على ضبط السوق أو استعادة التوازن النقدي.
من جانبه، اعتبر الدكتور محمد صالح بن جابر، مدير مركز حمير روك للدراسات والاستشارات الإدارية والمالية، أن جذور الأزمة النقدية الحالية تعود إلى تراكمات سابقة تفاقمت بفعل سياسات نقدية لم تستند إلى أسس اقتصادية مستدامة.
وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب تدخلًا عاجلًا يتجاوز الطروحات النظرية، عبر توفير دعم خارجي فوري وكبير، بالتوازي مع مراجعة واقعية لسياسات سعر الصرف وتجنب اللجوء إلى أدوات التمويل التضخمي.
وحذر بن جابر من أن استمرار الوضع الراهن دون معالجات فعلية قد يدفع البلاد نحو مرحلة أكثر خطورة، تتسم بتسارع الانهيار المؤسسي واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، بما يقوّض ما تبقى من ثقة المواطنين في قدرة الحكومة على احتواء الأزمة الاقتصادية واستعادة الاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك