ليس من السهل الدخول إلى عالم أصغر إسماعيل، فهنا لا تُقرأ اللوحات بالعين فقط، بل تُستشعر بالبصيرة.
في تجربته، يتحول اللون إلى ذاكرة نابضة، والفراغ إلى مساحة مشحونة بالمعنى، بينما تتجاوز اللوحة كونها شكلاً بصريًا لتغدو كائنًا حيًا يحمل أسئلته الخاصة.
في هذا الحوار، لا يقدّم إسماعيل سيرته كمسار تقليدي، بل يكشف عن رحلة داخلية تتقاطع فيها التجربة مع القلق، والبحث مع الجمال، والهوية مع التحوّل.
حديثٌ يفتح أبوابًا على فهم أعمق للفن، بوصفه فعل اكتشاف مستمر، لا يكتفي بالإجابة بقدر ما يوسّع مساحة التساؤل.
*لو طلبنا منك أن تعرّف نفسك بعيدًا عن المسميات… من هو أصغر إسماعيل داخل اللوحة؟داخل اللوحة أنا لست اسمًا ولا سيرة… أنا حالة.
أحيانًا أكون مترددًا، وأحيانًا حاسمًا، لكنني دائمًا في حالة بحث.
لا أتعامل مع الرسم كفعل إنتاج، بل كفعل اكتشاف.
كل لوحة هي محاولة لفهم شيء لا أستطيع قوله بالكلمات.
*تقول إنك" تكتشف" لا" ترسم" … ما الذي تحاول اكتشافه تحديدًا؟أحاول اكتشاف ما وراء الظاهر.
الواقع مليء بالصور، لكن القليل منها يحمل أثرًا داخليًا.
أنا مهتم بهذا الأثر بالشيء الذي يمرّ ولا يُلاحظ، لكنه يترك داخلك أثرًا عميقًا.
اللوحة بالنسبة لي ليست إعادة إنتاج، بل استخراج.
*هل لهذا السبب يبدو اللون في أعمالك كأنه يحمل طبقات من المعنى؟نعم، لأن اللون ليس قرارًا بصريًا فقط.
اللون عندي مرتبط بالذاكرة.
أحيانًا أختار لونًا لأنني" أشعره" أكثر مما" أراه".
هناك ألوان مرتبطة بالبحر، بالرطوبة، بالبيوت القديمة… هذه الأشياء لا تُرى بوضوح، لكنها تُحس.
لذلك أميل إلى ما يمكن وصفه بالألوان الضبابية، لأنها أقرب إلى الحقيقة الداخلية وطبيعة البيئة البحرينية.
*تحدثت عن الحقيقة الداخلية، هل ترى أن الفن أكثر صدقًا من الواقع؟الفن ليس أكثر صدقًا، لكنه أكثر حرية.
الواقع مقيّد بالتفاصيل، أما الفن فيمنحك مساحة لإعادة ترتيب هذه التفاصيل وفق إحساسك.
أنا لا أهرب من الواقع، لكنني لا ألتزم به حرفيًا.
أبحث عن صدق آخر… صدق الإحساس.
*بدأت تجربتك دون دراسة أكاديمية، هل شعرت يومًا بنقص بسبب ذلك؟في البداية نعم، لكن مع الوقت أدركت أن كل مسار له ميزته.
الأكاديمية تعطيك أدوات جاهزة، أما التجربة الذاتية فتعلمك كيف تصنع أدواتك.
أنا تعلّمت ببطء، لكن هذا البطء كان ضروريًا.
كل خطأ كان درسًا، وكل محاولة كانت خطوة نحو فهم أعمق.
*هل يمكن القول إنك" صنعت نفسك" فنيًا؟لا أحب هذه العبارة كثيرًا، لأن الفنان لا يصنع نفسه وحده.
هناك بيئة، وهناك أناس، وهناك تجارب.
لكن يمكنني القول إنني لم أعتمد على مسار جاهز، بل شققت طريقي بطريقتي، وهذا ما منحني خصوصيتي.
*ما الدور الذي يلعبه الشك في هذه الرحلة؟الشك هو المحرك الأساسي.
عندما تتوقف عن الشك، تتوقف عن التطور.
أنا أشك في عملي حتى بعد انتهائه، وأحيانًا أعود إليه وأراه بشكل مختلف.
الشك لا يعني فقدان الثقة، بل يعني الرغبة في الوصول إلى شيء أعمق.
*في أعمالك حضور واضح للبحر والمرأة، هل هما اختيار جمالي أم ضرورة داخلية؟هما جزء مني.
البحر في البحرين ليس مجرد مكان، بل ذاكرة جماعية.
والمرأة ليست عنصرًا بصريًا، بل رمز للحياة والاستمرارية.
عندما أرسمهما، لا أفكر في الشكل فقط، بل في المعنى الذي يحملانه.
*كيف تتعامل مع التراث دون أن تقع في فخ التكرار؟هذه معادلة صعبة.
التراث يمكن أن يتحول إلى عبء إذا تعاملنا معه كشيء ثابت.
أنا أحاول أن أراه كمادة حيّة، قابلة لإعادة التشكيل.
لا أنقله كما هو، بل أُعيد صياغته وفق رؤيتي.
المهم أن يبقى حيًا، لا أن يتحول إلى صورة جامدة.
*هناك من يرى أن الواقعية لم تعد كافية في الفن المعاصر… كيف ترد؟الواقعية ليست مشكلة، المشكلة في طريقة التعامل معها.
يمكن أن تكون واقعيًا وتقدم رؤية عميقة، ويمكن أن تكون تجريديًا وتبقى سطحيًا.
المسألة ليست في الأسلوب، بل في الوعي.
*كيف ترى العلاقة بين الفنان والمتلقي؟علاقة غير مكتملة إلا بالطرفين.
أنا أقدم رؤيتي، لكن المتلقي يضيف إليها تجربته.
أحيانًا يفهم العمل بطريقة لم أقصدها، وهذا جميل.
الفن ليس رسالة مغلقة، بل مساحة مفتوحة للتأويل.
لا أسعى لأن يُفهم بشكل واحد.
أسعى لأن يُحس.
الفهم قد يختلف، لكن الإحساس هو ما يربط الناس بالعمل.
*كيف تقرأ المشهد الفني في البحرين اليوم؟هناك حراك جميل وتنوع في التجارب، لكننا بحاجة إلى نقد حقيقي.
ليس نقدًا مجاملًا، بل قراءة عميقة تساعد الفنان على التطور.
بدون نقد، يبقى العمل الفني في دائرة مغلقة.
*هل تعتقد أن الفنان البحريني يمتلك هوية بصرية خاصة؟نعم، خصوصًا في علاقته باللون.
هناك حس خاص مرتبط بالبيئة—بالضوء، بالبحر، بالمواد.
هذا ما يميزنا، لكن يحتاج إلى وعي أكبر حتى لا يضيع في محاكاة تجارب أخرى.
*ماذا عن التكنولوجيا، هل تراها تهديدًا أم فرصة؟هي الاثنين معًا.
يمكن أن توسّع أدواتك، لكنها قد تختصر التجربة إذا اعتمدت عليها بشكل كامل.
الفن يحتاج إلى زمن، إلى صبر، إلى لمس.
التكنولوجيا لا يجب أن تلغي هذا.
*تصف نفسك دائمًا بأنك" رسام" … رغم كل هذه التجربة؟لأنني لم أصل.
وما دمت لم أصل، فأنا أتعلم.
كلمة" فنان" أحيانًا تُشعرك بالاكتفاء، وأنا لا أريد ذلك.
أخشى التكرار.
أن أصل إلى مرحلة أُعيد فيها نفسي دون وعي.
لذلك أحاول دائمًا أن أُقلق نفسي، أن أخرج من منطقة الراحة.
أبحث عن عمق أكبر في اللون، عن علاقة أكثر صدقًا بين الشكل والإحساس.
أجرّب في النحت، وأحاول أن أرى كيف يمكن للفكرة أن تتحول إلى مادة.
*لو عدت إلى بداياتك، ماذا ستقول لذلك الشاب الذي بدأ بأدوات بسيطة؟سأقول له: استمر في الشك، لأنه هو الذي سيقودك.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك