البحر واقف خلف قصر ثقافة الأنفوشي كأنه حارس.
الموج لا يهدأ، يضرب الحاجز الأسمنتي فتسمع دقات قلب متواصلة.
الإسكندرية في أبريل، والهواء مشبع بملح ورطوبة لا تخص إلا هذه المدينة.
في الداخل، على خشبة ليست كبيرة، يحدث شيء آخر.
لا علاقة له بالتقشف ولا بالجداول الإلكترونية.
شاب يمسك بطرف الستارة، يسحبها، فينكشف عالم لم يكن موجودًا قبل هذه اللحظة.
هذه شهادة من قلب الدورة الخامسة عشرة لمهرجان الفنون المسرحية بجامعة الإسكندرية.
ستة عشر عرضًا، وطلاب من الطب والهندسة والصيدلة والزراعة والآداب والحقوق والفنون والسياحة والتجارة والحاسبات والعلوم والتربية والتمريض.
لا يدفعهم سوى عطش التعبير؛ ذاك الذي يجعل شابًا يترك دفتر المحاضرات ويمسك نصًا، ويقف تحت الضوء ليقول ما لم يقله في بيته، وما لم يُسأل عنه في قاعة الدرس.
لكن الشهادة لا تكتمل بالانبهار.
المسرح الجامعي يحتاج عينين: عين تتأثر، وأخرى تحلل وتسأل: كيف تحقق الأثر؟ ومن أي مادة صُنع؟ وأين موضع الخلل؟ بهاتين العينين نظرت.
في زمن يظن البعض أن الثقافة يمكن أن تنتظر، يأتي هذا المهرجان ليقول العكس.
المسرح الجامعي ليس رفاهية، إنما مختبر إنساني.
هنا يتدرب الشباب على فهم الآخر، وعلى الإصغاء، وعلى احترام الاختلاف.
تقليصه ليس توفيرًا، ولكن تفقير: للخيال، وللقدرة على السؤال.
ما رأيته على خشبة الأنفوشي يؤكد ذلك.
ستة عروض خرجت منها محمّلًا بالصور والأسئلة.
في عرض “موت معلق” لكلية الهندسة، عن رواية ساراماغو، إعداد إسراء محبوب وإخراج أحمد علاء علي، لم أجد مهندسين يتحاشون الفلسفة.
وجدت فريقا يمسك بالسؤال الأصعب كما يُمسك مسطرة حرف T: ماذا حدث للإنسان حين توقف الموت؟ الطبيب إيجور يبدأ بدافع إنساني هو إنقاذ ابنته المريضة، ثم ينحرف المسار بهدوء نحو هوس المعرفة والمجد الشخصي، فيصير منقذا محتملا تحول إلى قاتل.
دانيال الحانوتي يقف على تخوم الحياة والموت، وقد فقد آخر بقايا الرحمة، فيذوب الحد الفاصل في رمز بصري واحد هو العفن.
القس يعظ ولا يصدقه أحد، فيصل إلى منطقة الشك حيث يصبح الإيمان ذاته سؤالا مفتوحا.
ما يثير التأمل هنا هو البناء البصري للعرض.
الخشبة تمتلئ بالمستويات، والإضاءة تقسم المكان إلى جزر من العزلة لا تتلامس.
في الخلفية خيوط العنكبوت تتدلى من الأعلى، وفي المنتصف منصة الكنيسة، وأعلى اليسار منصة الحانوتي تتفوق على منصة الإيمان حضورا وقوة.
الموت حاضر في الخفاء ينتظر الجميع.
الصلبان العملاقة تتداخل مع المشهدية الكابوسية في دلالة على غياب الإيمان في ظل غياب النهاية.
الملابس تنتمي إلى زمن قديم، فيما تظهر أدوات تكنولوجية حديثة في تناقض مقصود يقول إن ما يحدث لا يخص زمنا واحدا.
وعند عودة الموت، ينقلب الأداء فجأة، وتنكشف الكارثة: ما صنعه الإنسان في غياب الموت، حان وقت دفع ثمنه.
لم يكن العرض عن توقف الجسد عن الفناء، كان عن توقف الإنسان عن الإيمان.
في عرض “أوليفر” عن رواية ديكنز من إعداد وإخراج أحمد عماد لكلية الزراعة، اشتغل الفريق على تحويل البؤس إلى كرنفال، وهو خيار إخراجي ينطوي على وعي بطبيعة الرواية الإنجليزية التي تمزج الواقعية القاسية بروح الحكاية الشعبية.
طلاب يعرفون كيف تنبت البذرة نباتات، أخرجوا لنا بذرة أخرى: بذرة الفرح.
الرقصات والغناء لم تكن ترفا، كانت سلاحا في وجه الجوع.
أوليفر الصغير مدت طبقها الفارغ تسأل المجتمع كله “هل من مزيد؟ ”.
في تلك اللحظة، تحول السؤال من استعطاف فردي إلى بيان جمعي.
الزراعة لا تزرع القمح وحده، تزرع السؤال عن العدل، عن الطعام، عن الحياة المستحقة.
المسرحة الغنائية الاستعراضية حولت ديكنز إلى نشيد مبهج، والجوع إلى مظاهرة غنائية راقصة ممتعة بوعي وحرفية ودقة تنفيذية احترافية.
في عرض “الأوفريندا” لكلية الصيدلة، عن فيلم كوكو بسينوغرافيا المبدعة مارينا مجدي وإخراج محمد بهجت، تحقق أحد أنضج العروض بصريا، وأكثرها وفاء لمحاكاة عالم الفيلم.
يفيض المسرح بماسكات الهياكل العظمية، وأثواب الموتى المزركشة، إلى جانب واحد من الكائنات الروحية الضخمة.
في تلك الليلة، كان طلاب الصيدلة يصنعون تركيبة أخرى: الذاكرة دواء.
وقفت البطلة وحيدة، تنظر إلى جيتارها المكسور، وتغني بصوت يخترق الصمت: “زي الجيتار من غير وتر.
قلبي انكسر لما انكسر”.
الجيتار استعارة مكثفة عن الحلم الذي يُداس.
ثم تتحول النبرة من الانكسار إلى التحدي: “ما تكونش ع الهامش في يوم.
إخلق مكان وسط النجوم.
من ضربتك.
جت قوتك”.
الأداء أقرب إلي الكاريكاتوري يعتمد على تقنيات تشبه البيومكانيك لمايرهولد حيث يُختزل الجسد إلى إيقاعات وحركات آلية ودلالية.
بينما تتكامل السينوغرافيا بعناصرها والأغاني والرقصات لتشكل بنية تشكيلية احتفالية تتحول فيها الخشبة إلى لوحة حية.
الصيادلة وصفوا لنا روشتة لا تُباع في أي صيدلية: من نحبهم لا يموتون ما دمنا نتذكرهم، والفن هو القربان الذي يربط الأحياء بمن رحلوا.
في عرض “الأم شجاعة” لكلية الآداب، كان بريخت حاضرا بجفافه الفلسفي وصرامته الفكرية.
طلاب يدرسون الفلسفة والأدب اختاروا نصا لا يرحم، وقدموه بأدوات التغريب التي أرادها المؤلف ومن إخراج الواعد أحمد عبد المولي: البنادق مظلات، الحرب رقصة، القادة حيوانات.
الأم تجر عربتها فوق جثث أبنائها الثلاثة وتستمر في البيع، لا تتعلم، لا تتبدل.
في هذه النقطة بالذات يكمن جوهر المأساة البريختية.
الشخصية التي لا تتغير هي الإدانة الكبرى للنظام الذي أنتجها.
عربة الأم ثابتة بينما الجيوش تتغير من حولها، في صورة بصرية مركبة عن الثبات على مبدأ النفعية مهما تعاقبت الخسارات.
في المشهد الأخير، تعزف قائدة الجيش المنتصر لحنا حزينا على الكمان، فتنقلب دلالة الانتصار إلى نقيضها.
الخشبة كانت تقول، بمنطق بريخت لا بخطابيته، إن من يقتات على الخراب يأكله الخراب.
في عرض “الطوق” المأخوذ عن الطوق والأسورة رواية يحيى الطاهر عبد الله، يقدم إخراج محمد عبد المولي نصا أعده للمسرح محمد علي إبراهيم بوصفه عالما محاصرا تحكمه قسوة القدر أكثر مما تحكمه الأحداث.
العرض في جوهره يقوم على صراع الإنسان مع الفقر والغياب والقهر الاجتماعي، داخل قرية صعيدية تبدو كأنها دائرة مغلقة لا يخرج منها أحد.
هذا الصراع لا يأخذ شكل مواجهة خارجية فقط، إنما يتجذر في الداخل، حيث تتشابك الحاجة مع الخرافة، ويصبح القدر قوة طاغية تحدد المصائر دون رحمة.
على الخشبة، يحول شباب السياحة والفنادق هذا العالم إلى “فندق القدر”، فضاء مغلق يعكس قرية لا تُفتح فيها الأبواب.
الديكور المتقشف يشتغل كعلامة جمالية ودلالية، يحوّل الفراغ إلى تعبير عن الجفاف والاختناق.
في العمق يقف المعبد ككتلة صامتة تراقب حركة البشر بين النخل والخيش والحديد والنار، وكأنها ذاكرة للعنف اليومي وشاهد علي الخطيئة.
الأداء قائم على لكنة صعيدية منضبطة تستدعي الروح لا المكان فقط- بعض الممثلون كانوا بحاجة لمزيد من التدريب- بينما تتسلل الموسيقى كأنها أنين نوستالجيا.
ومع لحظة انهيار “حزينة” بعد قتل حفيدة الخطئية لنفس ذنب الأم يتبدل العرض إلى صمت كثيف، يتجاوز فيه الألم حدود التمثيل ليصبح تجربة مشتركة، ويكشف جوهر الصراع بين الإنسان وقدره المغلق.
أما في عرض “الأخوة السود” لكلية طب الأسنان، عن رواية ليزا تتزنر، من إعداد وإخراج معتز عجمي، وقفنا أمام حالة خاصة من حيث التلقي العرض حمل روح مسرح الطفل، ولكنه يسأل الكبار.
المسرحية تستند إلى مأساة تاريخية موثقة، أطفال أوروبا الفقراء الذين كانوا يباعون لمسح المداخن.
ثلاثة أبراج خشبية ترمز إلى المداخن، يتساقط عليها الثلج.
الأطفال يتحركون بحرية، فيما تتحرك عائلات ميلانو بحركة آلية جامدة، في معالجة حركية ذكية تعبر عن فقدان الإنسانية لدى عالم الكبار.
في النهاية، تتحول هذه العائلات من الجمود إلى الحركة الإنسانية، في إشارة إلى أن البراءة قادرة على كسر القسوة.
وقد نجح المخرج المعد في رسم شخصية الراوي الذي ينخرط في الأحداث، مما منح السرد الروائي مرونة على الخشبة.
خلف كل هذا وقف جيش لا يُرى.
اتحاد طلاب الجامعة، والإدارة العامة لرعاية الشباب، ومشرفو الكليات وأعضاء وخريجي الفرق الذين سهروا الليالي يجهزون الديكورات ويرتبون الميزانيات ويدربون ممثل صغير أصابه الخوف أثناء البروفات.
هؤلاء لا تصفهم الجوائز، لا تُقال أسماؤهم في الحفل، لكنهم العصب الخفي الذي لولاه ما قام هذا الصرح.
وقفت إدارة الجامعة، تؤمن بأن الفعل المسرحي ليس نشاطا هامشيا يُملأ به وقت الطلاب، إنه قلب الجامعة النابض.
أشكر كل كلية لم يسعفني الوقت لأحضر عرضها.
أعرف أنهم بذلوا الجهد نفسه، وأخلصوا للسؤال نفسه.
كلية العلوم و”ال س ج ة”، كلية التربية و”الوعد”، كلية الحقوق و”بلا أثر”، كلية الفنون الجميلة و”بيت محدود جدا”، كلية الطب البشري و”الرماد”، كلية الطب البيطري و”مهاجر بريسبيان”، كلية الحاسبات وعلوم البيانات و”أبنائي”، كلية التجارة و”النداء الأخير”، كلية التمريض و”أنا لم أقتل” وفريق الجامعة الأهلية الناشئ و”تأثير جانبي”.
ستة عشر عرضا، ستة عشر محاولة للإجابة عن سؤال واحد: لماذا نعيش؟الكليات العملية تتصدر… والستار لا يُسدل.
وجاء الختام، واجتمع الجميع.
الأظرف المغلقة تُفتح، والأسماء المنتظرة تُعلن.
لكن هذا ليس ما يهم.
المهم أن ستة عشر عرضا وُلدت هنا، في وقت يضيق فيه كل شيء، وأن مئات الطلاب وجدوا لأنفسهم صوتًا، ولو مؤقتًا، تحت الضوء.
حضور صبري فواز وحمزة العيلي ليس احتفالا بقدر ما هو تذكير: أن الطريق يبدأ من هنا.
فرق الكليات العملية في الصدارةعندما أُعلنت النتائج، كانت العروض هي العنوان الأهم، وكان التألق حليفا واضحا للكليات العملية:المركز الأول: “الأوفريندا” – كلية الصيدلةالمركز الثاني: “أوليفر” – كلية الزراعةالمركز الثالث: “موت معلق” – كلية الهندسةالمركز الرابع: “الأم شجاعة” – كلية الآدابالمركز الخامس: “الأخوة السود” – كلية طب الأسنانالمركز السادس: “مهاجر بيرسبيان” كلية الطب البيطريهذه العروض، التي خرجت من معمعة الكليات العملية، أثبتت أن الإبداع لا يعرف تخصصا، وأن من يقف خلف الميكروسكوب أو يرسم المخططات الهندسية، يمكنه أيضًا أن يقف على الخشبة ليروي حكاية.
الستار لا يُسدل على المسرح الجامعي.
يظل مرفوعا كسؤال معلق: لماذا نعيش؟وفي زمن التقشف والترشيد، يبقى هذا هو الإسراف الوحيد الضروري:أن تمنح شابا ضوءا، ليقول -ولو مرة- أنا هنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك