جميل يحب الجمال إن الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في حديث نبوي تناول آفة الكبر وخطورتها على المصير، وأن مثقال الذرة يودي إلى عذاب السعير، وقد استدرك على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ توجَّسَ خطرًا، وتلمَّس حذَرًا، وقال إنه يحب حُسن الهندام، وأناقة الثياب، فهل هذا كِبْر يستوجب العذاب؟ فعاد النبي صلى الله عليه وسلم واستدرك عليه قائلًا: «إن اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطْرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النّاسِ».
وقد قال ابن القيم في نونيته: وهو الجميل على الحقيقة كيف لا وجمال سائــر هذه الأكــوان من بعض آثار الجميل فربُّهـــــــا أولى وأجدر عند ذي العرفان فجماله بالذات والأوصاف والــــ أفعــال والأسمــاء بالبـــرهان إن مقتضى معنى قولنا: «الله جميل» أن كل أمره سبحانه حسن وجميل، فله الأسماء الحسنى، وصفات الجمال والكمال، ومن آثار جمال أفعاله في الكون والإنسان؛ أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وصوَّره فأحسن صورته.
ومن الآثار الإيمانية أن نؤمن بهذه الصفة، وأن نعمل بما يحب الله تعالى من التجمل المشروع.
وقال ابن الأثير: «إنَّ اللهَ تعالى جميلٌ»، أي حسن الأفعال.
وقد أمر الله تعالى عباده بملازمة كل خُلُق جميل، وأوصى نبيه ﷺ وأمته بذلك في آيات عديدة.
فقال سبحانه: «فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً».
أي صبرًا لا شكوى فيه لأحد غير الله تعالى، وذلك في مقابل استهزاء الكفار، وعدم إيمانهم بما يدعوهم إليه من الإيمان بالله واليوم ا لآخر.
وقال سبحانه أيضًا: «وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً».
أي؛ اصبر على ما يقول المشركون وعلى أذاهم واهجرهم في الله هجرًا جميلًا، لا عتاب معه.
وقيل: لا جزع فيه، ومثل ذلك قوله تعالى: «فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ».
يقال إن الإنجازات البشرية من أول عمر المعمورة قبل ألوف السنين إلى يوم الدين يمكن اختصارها في ثلاثة عناوين، إنجازات العلم التي نشهدها كواقع حاضر، وإنجازات الفلسفة التي هي العالم المثالي الذي ترسمه الأخيلة والخواطر، وإنجازات الفن التي هي قيد الإمكان، إن ربنا الجميل خلقنا في وسط من الجمال والبهاء، وفطر أنفسنا على حب الجميل من الأشياء، وجعل الكون من حولنا لوحة حافلة بالبدائع والروائع، فخلق في الأرض الحدائق الغناء والرياض الخضراء وجعلها حية بماء السماء، وجعل البحار المحيطة المهولة، والأنهار الفوارة الطويلة، وأبهج الأبصار وسر الأنظار بأطياف من الألوان يعجز عن عدها الإنسان، حتى الجبال فيها جدد بيض وسود، والجدد جمع الجُدّة وهي الخط الذي يلوّن ظهر الحمر الوحشية والظباء ويكون مخالفًا للون الفراء، وكذلك الجبال تزدهي طبقاتها أشكالا وألوانا.
وفي هذه البيئة الخصبة بالجمال بعث الله الحياة، وبث الدواب من موات، وانظروا إلى الأنعام التي هي من النعم العظام، ترون أنه فوق نعمة الركوب والارتفاق، جعلها الله زينة تسحر الأحداق، وهو القائل سبحانه وتعالى: «والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة»، هذا عن البهائم، أما عن الزروع والمواسم، فقال تعالى: «اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ»، وكان بعض الأولياء والأصفياء يمشي في الكروم والبساتين لا لأجل قطاف الغلال، بل لتصفح الجمال، وعملًا بقوله تعالى في الآية المذكورة.
فالنظر إلى الأشجار وتأمل غصونها الفارعة وثمارها اليانعة عبادة لله الجميل.
وأخيرًا، جدير بنا أن ندرك معنى الجمال الإلهي، والغاية من خلق الجمال، وجدير بنا أن نقف على كل مواطن الجمال في أنفسنا وبيئتنا وحياتنا وقفة شكر وحمد لله الجميل الذي خلق فأبدع، وهيأ لنا كل ما يريحنا وينفعنا.
@zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك