في المقال السابق تعرضت للحديث عن السيد المسيح ـ عليه السلام ـ في كتابات عدد من المفكرين والكتاب المسلمين، واليوم أتناول الوجه الآخر لهذا الموضوع، وهو سيرة النبى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحياته كما رآها وكتب عنها أحد الكتاب المسيحيين؛ فلا يُمكن لأحد أن يطلع على سيرة النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويتعرف على أخلاقه العظيمة وخصاله الشريفة إلا ويظهر إعجابه وانبهاره بشخصيته الكريمة، ولا عجب أن نجد شهادات معتدلة في حق النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه والدين الإسلامى من قبل الكثير من المنصفين أصحاب الفطرة السليمة والنظرة الموضوعية ممن لم يعتنقوا الدين الإسلامى، وكان من بين هؤلاء المفكر والفيلسوف المصري نظمى لوقا (1920-1987م).
وإذا حاولت التعريف بسيرة هذا المفكر باختصار أقول إنه من أقباط مصر، وُلد في مدينة دمنهور سنة 1920م، انتقل والداه إلى مدينة السويس سنة 1926م وهناك قام والده بإرساله وهو في السادسة من عمره إلى الشيخ (البخارى) ليتعلم العربية والبلاغة منه وكان يحفظ القرآن الكريم على يديه.
وتدرج نظمي لوقا في مراحل التعليم المختلفة؛ فحصل على شهادة إتمام المرحلة الإبتدائية، ثم انتقل إلى الإسكندرية وهناك أتم الحصول على الشهادة الثانوية، ثم التحق بجامعة القاهرة وحصل على ليسانس آداب قسم الفلسفة في سنة 1940م، كما حصل كذلك على ليسانس مدرسة الحقوق الفرنسية بالقاهرة، وواصل دراسته العليا، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة، وعمل بالتدريس في مدينتي السويس والإسكندرية، ثم أستاذًا للفلسفة بكلية المعلمين بالقاهرة، ثم كلية الآداب بجامعة عين شمس، وكان عضوًا بنادى القلم الدولى، واتحاد كتاب مصر، واتحاد الكتاب العرب.
مؤلفات نظمي لوقا عن النبيللدكتور نظمي لوقا عدة مؤلفات عن الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته ـ رضوان الله عليهم ـ، وسوف أتناول في هذا المقال كتابين له وهما: (محمد الرسالة والرسول) و(محمد في حياته الخاصة).
وقد أوضح د.
نظمى باعثه للكتابة عن النبي وهو المسيحي بقوله: " لست أنكر أن بواعث كثيرة في صباي قربت بينى وبين هذا الرسول، وليس في نيتي أن أنكر هذا الحب أو أتنكر له بل إنني لأشرف به وأحمد له بوادره وعقباه ولعل هذا الحب هو الذي يسر لي شيئًا من التفهم، وزين لي من شخص هذا الرسول الكريم تلك الصفات المشرفة وجعلنى أعرض بوجدانى عن تلك النظرة الجائرة أو المتجنية التي نظر بها كثيرون من المستشرقين وغيرهم إلى الرسول العربي، ولكن حين أحتكم إلى العقل أرى الخير كل الخير فيما جنحت إليه".
هو أول كتاب كتبه د.
نظمي لوقا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستغرق تأليفه عشر سنوات خلال الفترة 1948-1959م، وبعد الإهداء يبدأ بالمقدمة التى يؤكد فيها عزمه على العدل والإنصاف في هذا الكتاب وابتدأها بقوله: " من يغلق عينيه دون النور يضير عينيه ولا يضير النور، ومن يغلق عقله وضميره دون الحق يضير عقله وضميره ولا يضير الحق.
" بعد ذلك جاء أول عنوان في محتويات الكتاب (صبي في المسجد) ذكر فيه حياته منذ الصغر وكيف تعرف على النبي من خلال دراسته للدين الإسلامي.
وناقش المؤلف موقف الناس من نزول الوحي في الفصل الذي يليه الذي حمل عنوان (الآية الكبرى)، وتحدث عن الدين اليهودي تحت عنوان(دين شعب) وذكر أنه دين اختص به بنو إسرائيل.
وكان الفصل الثالث بعنوان(دين قلب)، وتحدث في الفصل الرابع(دين بشر) عن الدين الإسلامي ورأى أن الناس كانوا في حاجة إلى دين يؤكد وجود الله ووحدانيته بالإضافة إلى دين ينظم معاملاتها، دين يتجه إلى جميع البشر لا فرق فيهم بين شعب وشعب أو جيل وجيل، أو طبقة وطبقة.
وحمل الفصل الخامس عنوان(الله) وناقش فيه مسألة الوحدانية، وفي الفصل السادس (الإنسان) فناقش فيه موقف اليهودية والمسيحية والإسلام من خطيئة آدم عليه السلام، وجاء الفصل السابع تحت عنوان (النبوة) وذكر أنه لا تأليه ولاشبهة تأليه في معنى النبوة الإسلامية.
وتحدث في الفصل الثامن (حواء) عن مكانة المرأة في الإسلام ومكانتها في العصور القديمة، وكيف رفع الإسلام مكانتها، ثم تحدث عن قضية تحرير المرأة في العصر الحديث وموقف الإسلام منها.
أما الفصل التاسع وعنوانه(الزواج) فقد ناقش فيه قضية تعدد الزوجات في الإسلام وبين حكمة ذلك، وناقش موضوع الطلاق والهدف منه وعبر عن ذلك بقوله: " إن فرصة الإنسان في الحياة واحدة، ففيم نجعلها عذابًا مقيمًا لزوجين تبين أن الوفاق بينهما مستحيل، وأن حياتهما معًا إهدار لحياتهما لا محالة".
وحمل الفصل العاشر عنوان (لاقيصر)، والفصل الحادى عشر(مع الناس) وتحدث فيه عن العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين مستشهدًا بالآيات القرآنية وعدد مميزات الدين الإسلامي في التعامل مع الناس.
وجاء الفصل الثانى عشر بعنوان (مع الله).
أما الفصل الثالث عشر الذي حمل عنوان(برح الخفاء) قال فيه: " لم يبق شك في أن رسالة الإسلام جاءت مناسبة لطور البشرية الطبيعي، وختم بقوله: " برح الخفاء والرسالة رسالة حق"، وتحدث في الفصل الرابع عشر(شجاعة الإيمان) عن أن النبي لم يحقق له ولا لأهله أي مكاسب من دعوته للإسلام، وهو الذي تعرض للكثير من الأذى وظل صامدًا وصابرًا الأمر الذي يدل على صدقه ونزاهته.
وفي الفصل الخامس عشر (لا ادعاء) ذكر فيه أن النبي لم يزعم لنفسه قدرة أو صفة أو حقًا يستعلي بها على أحد أو يجعل بها لنفسه مكانة أو منصب.
وتحدث في الفصل السادس عشر (الجهاد الأكبر) عن أخلاق النبي مع أصحابه وأهل بيته، وذكر مواقف عن عدل النبي وزهده، وختم الفصل بقوله: " سلام على الصادقين".
وفي الفصل الأخير وهو الفصل السابع عشر ختم الكتاب بعنوان (لابد مما ليس منه بد) ويذكر فيه: " ماذا بقى من مزاعم لزاعم؟ إيمان امتحنه البلاء طويلًا قبل أن يفاء عليه النصر وعقيدة جاءت في طورها الطبيعي ملبية حاجة الإنسان الطبيعية موفقة بين دينه ودنياه.
ونزاهة ترتفع فوق المنافع وسمو يتعفف عن بهارج الحياة وسماحة لايداخلها زهو أو استطالة بسلطان، ولم يجعل لذريته وعشيرته ميزة من ميزات الدنيا ونعيمها وسلطانها، لا خيرة في الأمر ما نطق هذا الرسول عن الهوى، لاخيرة في الأمر ماضل هذا الرسول وما غوى، لا خيرة في الأمر.
وما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين، فسلام عليه بما هدى من سبيل، وماقوم من نهج، ومابين من محجة، وسلام على الصادقين".
على أية حال فإن هذا الكتاب يظهر إعجاب نظمى لوقا الكبير بشخصية النبي محمد ورؤيته في أن الدين الإسلامى هو دين البشرية الذي يلبي حاجات الإنسان الطبيعية، والإنسان فيه يجمع بين الدين والدنيا.
بدأ المؤلف، د.
نظمي لوقا، هذا الكتاب بإهداء: " إلى السائرين في الظلمة وإلى من يلوح لهم – من أنفسهم- فجر جديد".
وبعد المقدمة التي أوضح فيها سبب اهتمامه وهو مسيحي، بالدفاع عن الرسول وهدفه من هذا الكتاب، وهو دعوة أصحاب الفكر غير المتعصب إلى الموضوعية في نظرتهم إلى الإسلام والنبي محمد، وتفنيد ما وجهه أهل الافتراء إلى شخص الرسول الذي حول الملايين من عبادة الأصنام ولم يستفد من جهاده لشخصه أو لأهله شيئًا من زخارف الدنيا، حفاظًا على معنى الشرف والإنصاف، وهو الأمر الذي يحتم عليه الدفاع والنظرة الحيادية لهذا الرسول.
تضمن الكتاب الحديث في عدة موضوعات، جاء الموضوع الأول تحت عنوان(الأمية والجهل) وناقش فيه اتهام بعض المستشرقين النبي بالجهل وأوضح هدفهم من ذلك وهو الانتقاص من صفاته وحقدهم عليه وميز بين المعنيين.
أما الموضوع الثاني (جموح الشهوة وتعدد الزوجات) فقد ناقش فيه الاتهامات حول تعدد زوجات النبي من المفترين عليه، وفند هذا الموضوع معتمدًا على التحليل النفسي والاجتماعى، وظروف كل زيجة للنبي.
وجاء الموضوع الثالث (المصانعة والوفاء) وذكر آراء المستشرقين بعدم زواج النبي على السيدة خديجة بالمصانعة وليس وفاء للسيدة، وناقش هذا الأمر مقدمًا العديد من الأدلة على زيف رأيهم.
وتحدث في الموضوع الرابع (النزوة والنخوة) عن بواعث زواج النبي من سبعه من نسائه.
وفي الموضوع الخامس (لابد من المواساة) تحدث عن زواج النبي من أم سلمة، وفى الموضوع السادس( خير من ذلك) تحدث عن زواجه من جويرية بنت الحارث، والسابع (الخاطر الكسير) تحدث عن زواج النبي من صفية بنت حيي.
وجاء الموضوع التاسع تحت عنوان (لايجدع له أنف) وتحدث فيه عن زواج النبي من أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وجاء الموضوع العاشر (هبة في طيها حرج) تحدث فيه عن زواج النبى من ميمونة بنت الحارث، وفي (زواج المحارم) تناول زواج النبي من زينب بنت جحش وماذكره المستشرقين المغرضين والرد عليهم.
وفى (انتهاك الطفولة) تحدث عن زواج النبي من عائشة بنت أبى بكر وكيف انتهك النبي-على حد قول المهاجمين- حرمه الطفولة ورد على هذا الافتراء وذكر قصص من الواقع لتدعيم رأيه، واستشهد بروايات من كتب الحديث والسيرة.
وختم د.
نظمي لوقا كتابه بقوله: " وليذكر الذاكرون أن التاريخ كم وعى من رجالات أصحاب رسالات كانت لهم الزوجات الكثيرات بالعشرات وبالمئات وكانت لهم السراري بغير عدد ولم يقدح ذلك فيما لهم من فضل ظاهر ولا فيما لدعواتهم من أثر في العقول والسرائر.
وهل نسي الناس داود وسليمان وغيرهم، فكيف لايحسب هذا التعدد اليسير إلا على محمد بن عبدالله دون سواه؟ ألا إن الميزان المستقيم لايكيل بكيلين ولا يحرم على زيد ما يرى أضعافه غير حرام على عمرو، ومن يظلم إنما يظلم نفسه ومن يجور في الحكم إنما يضير تفكيره وضميره".
ومن الملاحظ على نحو عام أن د.
نظمي لوقا استخدم في كتابيه السابقين أسلوب الحوار في كثير من الأحيان بإثارة التساؤلات ثم الإجابة عليها، مما أظهر قدرته على الحوار والاستنتاج.
واتبع كذلك أسلوب المقارنة بين الأديان في كتاب(محمد الرسالة والرسول) والتحليل النفسى والفلسفي لقضايا في السيرة النبوية وكذلك لآراء المستشرقين.
أما عن مصادره في مؤلفاته بوجه عام وفي هذين الكتابين بوجه خاص، فقد اعتمد على القرآن الكريم وكتب التفسير، واستشهد في أحيان كثيرة بالأحاديث النبوية الشريفة، واعتمد كذلك على كتب السيرة النبوية، والعديد من أبيات الشعر العربي التي زخرت بها مؤلفاته، فضلًا عن المراجع الحديثة وقصص من الواقع الذي عاشه.
ومما لاشك فيه أن د.
نظمى لوقا بذل جهدًا فكريًّا فى عرضه لسيرة النبي بأسلوب مقنع ومحايد، وفهم لطبيعة الدين الإسلامي، وذلك بناء على نشأته وتعلمه للإسلام ومبادئه منذ الطفولة.
وقد رأى أن قيمه بتأليف كتب عن النبى وهو المسيحي ماهو إلا تطبيقًا عمليًّا لمبدأ الموضوعية ودليل على العدل والإنصاف للغير.
وقد اتصفت كتاباته، خاصة كتابه (محمد الرسول والرسالة) بالشمول والموضوعية، وهذا ليس بالأمر الغريب فهو قضى في تأليفه عشر سنوات مما ساعده على القراءة المتأنية والقدرة على التحليل والاستنتاج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك