حين نقول: “اللي تكسب به العب به”، فنحن لا نروّج للالتفاف على المعايير، بقدر ما نصف قاعدة ذهبية في العمل المؤسسي: ابحث عن الوسيلة الأنجع، وتمسّك بما يثبت جدواه، ولا تصرّ على القوالب القديمة إذا كانت لا تصنع نتيجة.
وفي كرة القدم، هذه القاعدة لا تُقرأ كحيلة عابرة، بل كمنهج احترافي كامل؛ لأن الأندية التي تريد الصعود فعلًا لا تظل أسيرة الحنين، بل تذهب إلى الحل الذي يمنحها القوة، ثم تبني عليه.
وهنا تحديدًا، يطلّ نادي الاتفاق من بوابة مختلفة هذه المرة، بعد أن وضع نفسه أخيرًا على خريطة دوري ناصر بن حمد الممتاز، في لحظة طال انتظارها من أبناء الدراز ومن محبي النادي.
وفي الحوار الذي أجريته مطلع الموسم الرياضي، قدّم رئيس جهاز الكرة بنادي الاتفاق، عباس عبدالمجيد، قراءة صريحة لسنوات التعثر السابقة، وأعاد الأمر إلى سببه الأوضح: الإمكانات المالية المحدودة، وما ترتب عليها من صعوبة في استقطاب محترفين مميزين أو أجهزة فنية قادرة على صناعة الفارق، إضافة إلى تحديات أخرى مرتبطة ببنية الملعب والمرافق، وهذه ليست شكوى بقدر ما هي توصيف واقعي لمسار طويل ظل فيه الاتفاق يدور في الحلقة نفسها، بين طموح كبير وموارد لا توازي ذلك الطموح.
لكن المشهد اليوم مختلف، فالشراكة الاستراتيجية الجديدة مع شركة “طموح”، والتي بدأت من الموسم الحالي 2025 - 2026، لا تُقدَّم بوصفها دعمًا جزئيًا أو إسعافًا مؤقتًا، بل بكونها مشروعًا شاملًا يمتد من الفريق الأول إلى الجوانب الإدارية والتنظيمية والفنية، وهو ما يجعل الحديث عن الاتفاق مختلفًا هذه المرة أكثر من أي وقت مضى؛ لأن الفرق هنا أن النادي لم يعد يطلب موسمًا ناجحًا فقط، بل يراهن على تأسيس مرحلة جديدة، تُغلق صفحة التعثر، وتفتح باب الاستقرار، ثم المنافسة، ثم الحلم الأكبر: تثبيت أقدامه بين الكبار.
وهذا الإنجاز يضاف إلى النادي، على أساس أن تكون كرة القدم في النادي فعالة ومنجزة، جنبا إلى جنب لعبة كرة اليد، بحكم أن الإتفاق معروف أنه يُنتج في لعبة كرة اليد وينافس ويحقق إنجازات، وهذا يعزز حضور النادي بشكل أكبر في الرياضة البحرينية.
ولعل ما يرفع قيمة هذا التحول أنه لا يقف عند حدود الفريق الأول، فالاتفاق، كما كشف عبدالمجيد، لم يكتفِ بإعادة ترتيب البيت من الأعلى، بل تحرك أيضًا نحو القاعدة، عبر المدرسة الكروية التي جمعت أكثر من 100 لاعب من أبناء المنطقة، في خطوة ذكية تعني أن النادي لا يريد صعودًا مؤقتًا، بل صناعة امتداد حقيقي للمستقبل، وهنا تكمن الفكرة الأهم: الأندية المُجدة لا تُبنى بمحاولة الموسم الواحد، بل بمنظومة تعرف كيف تستثمر في المواهب الصغيرة قبل أن تبحث عن النجوم الجاهزين.
ومن هذا المنظور، فإن الاحتراف ليس ترفًا تنظيميًا ولا شعارًا دعائيًا، بل قرار شجاع بأن تستعين بما يخدم هدفك، حتى لو أثار بعض الجدل في البداية، وهذا بالضبط ما فعله الاتفاق حين اختار أن يغيّر الأدوات بدل أن يكرر النتائج ذاتها، فالفريق الذي ظل طويلًا في دوري الظل، ثم نجح أخيرًا في كتابة اسمه بين أندية الممتاز، لم يفعل ذلك بالمصادفة، بل حين قرر أن يتعامل مع الحلم كما ينبغي: بعقلية عملية، وبشراكة واضحة، وبإيمان بأن الطريق إلى القمة يبدأ من الاعتراف بما ينقصك، ثم البحث عمّن يساعدك على إكمال الصورة، وهكذا فقط، يصبح المثل الشعبي حقيقة رياضية ناضجة: “اللي تكسب به العب به”.
* مشرف فريق الرياضة بصحيفة “البلاد”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك