لم تعد مسألة الولاءات العابرة للحدود شأنًا نظريًا أو نقاشًا فكريًا يمكن تأجيله، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه بقوة في ظل ما شهدته المنطقة من تطورات خطيرة، كان آخرها العدوان الإيراني الآثم الذي كشف بوضوح حجم التحديات المرتبطة بتداخل الولاءات وتعارضها مع مفهوم الدولة الوطنية وسيادتها.
ومن هنا، فإن اللحظة الراهنة تفرض على السلطة التشريعية في مملكة البحرين تحركًا حاسمًا ومسؤولًا يترجم هذه التجربة إلى إطار قانوني رادع وواضح.
إن الولاء للدولة ليس خيارًا انتقائيًا، ولا مساحة رمادية تقبل التأويل، بل هو أساس العقد الوطني الذي يقوم عليه الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وعندما يتجه بعض الأفراد إلى تبني ولاءات خارجية ذات طابع سياسي أو أيديولوجي، فإن ذلك لا يمثل مجرد اختلاف في الرأي، بل يشكل خللًا جوهريًا في منظومة الانتماء، وقد يتحول إلى تهديد مباشر للأمن الوطني إذا ما ارتبط بجهات أو مشاريع تتعارض مع مصالح الدولة.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم “الولاء للولي الفقيه” بوصفه أحد النماذج الأكثر وضوحًا لهذا التعارض، حيث يقوم على ارتباط سياسي وأيديولوجي يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويضع الانتماء الخارجي فوق الانتماء الداخلي.
وهذا النمط من الولاء، بطبيعته، لا يمكن أن يتعايش مع مبدأ السيادة الوطنية، لأنه يؤسس لمرجعية بديلة عن الدولة، ويمنحها الأولوية في الطاعة والالتزام.
إن التجربة الأخيرة، وما صاحبها من مواقف وتفاعلات، أثبتت أن مثل هذه الارتباطات ليست مجرد شعارات، بل قد تتحول إلى ممارسات فعلية تمس الأمن والاستقرار، سواء من خلال التبرير أو الدعم أو حتى التماهي مع مشاريع معادية.
وهو ما يستدعي وقفة تشريعية جادة تعالج هذا الخلل من جذوره، وتضع حدًا لأي ازدواجية في الولاء.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني قانون تشريعي متكامل يجرّم بشكل صريح وواضح أي ولاء سياسي أو أيديولوجي لكيانات أو مرجعيات خارجية تتعارض مع سيادة الدولة، وفي مقدمتها الارتباط بمفهوم “الولي الفقيه”.
قانون يحدد المسؤوليات، ويضع العقوبات الرادعة، ويغلق الثغرات التي قد تُستغل تحت عناوين فضفاضة أو تفسيرات ملتوية.
وليس الهدف من مثل هذا التشريع التضييق على الحريات أو مصادرة الآراء، بل حماية الدولة من اختراقات خطيرة قد تبدأ بفكرة وتنتهي بممارسة تهدد الأمن الوطني.
فالدول لا تُحمى بالنوايا، بل بالقوانين الواضحة والقرارات الحازمة التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
كما أن تبني مثل هذا القانون سيعزز من ثقة المجتمع في مؤسساته، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن البحرين ماضية في ترسيخ سيادتها، وأنها لن تقبل بأي شكل من أشكال التبعية أو الارتهان للخارج، أيًا كان مبرره أو غطاؤه.
إن مجلس النواب اليوم أمام مسؤولية تاريخية، تتطلب قراءة دقيقة للواقع واستشرافًا واعيًا للمستقبل.
فالتجارب لا تُستحضر للبكاء على ما مضى، بل للبناء على دروسها، وتحويلها إلى سياسات وتشريعات تحصّن الوطن وتحمي مكتسباته.
وفي الختام، تبقى الحقيقة الأهم أن الولاء للوطن لا يقبل القسمة، وأن السيادةالوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُصان.
ومن هذا المنطلق، فإن أي ولاء يتجاوز الدولة أو يضعف من مركزيتها، هو ولاء ينتقص من الانتماء الوطني، ويستوجب موقفًا واضحًا، وتشريعًا حاسمًا، يحفظ للبحرين أمنها واستقرارها، ويصون وحدتها في مواجهة كل التحديات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك