وكالة شينخوا الصينية - الصين تخصص 99.9 مليار يوان لإعانات رعاية الأطفال في عام 2026 وكالة الأناضول - إسرائيل تقتل 9 فلسطينيين في غارات على منازل بمدينة غزة الجزيرة نت - ترمب يرشح محاميه "الوفي" وزيرا للعدل وكالة الأناضول - حكومة حماد ترفض توطين المهاجرين وتطالب باحترام سيادة ليبيا يني شفق العربية - بطولة الفتح الدولية للرماية 2024 إسطنبول إيلاف - لماذا تخضع "طيران الشرق الأوسط" للتدقيق؟ وهل يتأثر مطار بيروت؟ وكالة سبوتنيك - مجلس الأعمال الروسي السعودي: هناك فرص واعدة لزيادة التجارة الثنائية إلى 10 مليارات دولار يني شفق العربية - رجل أعمال إسرائيلي: ترامب هدد بسجن نتنياهو إذا هاجم بيروت وكالة الأناضول - العليا الإسرائيلية تقضي بعدم قانونية حظر زيارات الصليب الأحمر للأسرى العربي الجديد - ترامب يرشح تود بلانش لمنصب وزير العدل
عامة

اقتصاد العافية.. الفراغ والرفقة في الحضر والبادية

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 شهر
1

ينقضي الشتاء بقسوة طقسه التي يحبها الكثيرون ممن يهبون قلوبهم لمطره، لتأسر آخرين لحظات الشوق وهم ينظرون من خلف نوافذ بيوتهم الموصدة، علهم يبصرون صورة الحبيب وهو يعود.وما هي إلا مواقيت للحظات تطلب الع...

ملخص مرصد
يتناول المقال مفهوم «اقتصاد العافية» في ظل الثقافة الاستهلاكية، مشيرًا إلى أن العافية تتجاوز الصحة الجسدية لتصبح حالة من الرضا والوجود الإنساني. يبرز الكاتب أهمية الرفقة والفراغ في بناء المعنى، معتبرًا إياهما جزءً من الطبيعة الإنسانية، لا مجرد سلع استهلاكية. كما يناقش تحول الحضارة نحو اختزال العافية في المظاهر الخارجية، مثل الجمال أو الاستهلاك، متجاهلة البعد الروحي والوجودي.
  • العافية مفهوم أعمق من الصحة الجسدية، يرتبط بالرضا والوجود الإنساني بحسب المقال
  • الثقافة الاستهلاكية حولت العافية إلى سلعة، تركز على المظاهر الخارجية مثل الجمال
  • الفراغ والرفقة هما جزء من الطبيعة الإنسانية، وليسا مجرد تحديات أو هروب من الحضر

ينقضي الشتاء بقسوة طقسه التي يحبها الكثيرون ممن يهبون قلوبهم لمطره، لتأسر آخرين لحظات الشوق وهم ينظرون من خلف نوافذ بيوتهم الموصدة، علهم يبصرون صورة الحبيب وهو يعود.

وما هي إلا مواقيت للحظات تطلب العافية، مترقبة صدق الرفقة، خوفا من فقدان متعة الحياة، فالربيع، بقدر ما يأذن برحيل برودة الشتاء، فإنه يشير إلينا بشيء من القسوة، ونحن نجوب الذكريات ونقتفي سيرة الأحبة، في الحضر والبادية، شوقا ينهال علينا بالحسرة.

ولربما الربيع الذي تلألأت زهوره بالمحبة، وتجلت مراتب الطلب فيه بالبذل والتخلي، يعيد إلينا شغف الحياة بما جادت به الصحبة، وتستيقظ معه ذكريات من ارتحلوا إلى دار البقاء.

ولعل أيسر العبارات، وهي تجمع الحروف وتأسر المعاني في أسطر موجزة، لا تفي أولئك الذين نتذكرهم في لحظات العافية، أو نلوذ بهم حين يجتاحنا الفراغ.

فليس كل ما نتمناه يتحقق، ولا كل ما ندركه قد طلبناه، وإنما هي مقادير تتنزل لا نملك معها إلا الرضا.

ونحن إذ نقبل على فصل من تاريخنا، لا يطوي معه قسوة الشتاء بقدر ما ننشغل بذواتنا الغائبة، وأحلامنا المنسية، ومستقبلنا المربك، متناسين في غمرة ذلك تلك اللحظات التي ترسم مصائرنا، فالبشر في ترحالهم وحلهم، وحضرهم وباديتهم، وبين مدنهم وعوائلهم، ليسوا سوى أسماء متناثرة، ومعان متشابكة، تتشابه فيها الابتسامات وتختلف فيها الغايات.

وهذه الأسطر تتساءل: ماذا يعني أن يتحول الفراغ إلى معنى، وعن العافية حين تغدو سلعة؟ فهل تقاس العافية بما نملكه من سكون، أم برفقة في الحضر والبادية؟اتجهت الثقافة العولمية إلى اختزال العافية في مجرد استشفاء من معضلات تبدو في ظاهرها مرضية، بينما هي في جوهرها جزء من طبيعة الإنسان، وهو ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد العافية».

ثمة أمران مهمان يقلقان الإنسان في سعيه لبناء عالمه وحضارته: العافية والفراغ.

وهذان لا يمثلان حالته الطبيعية بقدر ما يمنحان الإنسانية معنى وجوديا.

إذ تتجلى عافية البشر في تصورات متنوعة؛ فيراها بعضنا في الكسب المستمر، والسعي نحو التملك، أو استعراض قوة الجسد التي يفتقدها المرضى.

غير أن ما يجعل العافية مصدر اهتمام وموضوعا حساسا هو ارتباطها بما يرغب الإنسان في أن يكونه.

فهي ليست فكرة منفصلة بذاتها، بقدر ما تحيل إلى توق أبدي نحو البقاء في عالم يفنى.

وبسبب هذا السعي الدائم، أنتجت الحضارة أدوات تغذي وهم الاستمرار، فتقارب بين الشيخوخة والشباب، وتفتح أملا في وهم الأبدية.

لذلك اتجهت الثقافة العولمية إلى اختزال العافية في مجرد استشفاء من معضلات تبدو في ظاهرها مرضية، بينما هي في جوهرها جزء من طبيعة الإنسان، وهو ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد العافية».

اختزلت الحضارة، بقيمها الاستهلاكية، العافية في فصل واحد بلا معنى، تخضعها لصناعات التجميل وهوس القضاء على الشيخوخة.

ومع انشغال البشر بحياتهم العملية، وهيمنة الوظائف على حساب أدوارهم الاجتماعية، وتراجع الحياة العائلية البسيطة، تحول الاهتمام نحو ثقافة تسليع العافية، لا نحو التمثل الإنساني العميق لها؛ إذ ليست مجرد صحة جسدية فحسب، بل هي حالة من الرضا تنساب بين أطوار الحياة الإنسانية، فتعيد صياغة حضور الإنسان في حضارته وهويته وثقافته.

إن للعافية فصولا متعاقبة ترافق الإنسان: فرحا تارة، وقسوة أخرى في الفقد والتهجير والقتل، الذي يجسده الصراع اللانهائي للبشر.

وكأن تلك الفصول ربيع يتجدد في الذات بأحلامها وإبداعها، حين تمنحها اللحظة الاستثنائية التعبير عن حريتها وكرامتها، وضعفها أيضا؛ إذ تقضي دورة الزمان أن نكون في تحول دائم، لا أن نعيش في صورة واحدة.

المكان ليس مجرد ريف تتعزز معه السكينة والهدوء، ولا مدينة بعماراتها الشاهقة ومطاعمها السريعة ووظائفها المرهقة، بل هو معنى أعمق يتصل بذواتنا ورفقتناللوهلة الأولى، تبدو مسألة الفراغ متعلقة بالوحدة؛ إذ يخشى الإنسان أن يجتاحه الاغتراب، فيعيش منعزلا عن العالم المحيط.

لكن الفراغ والوحدة قد يكونان، حقا، تحديا للبشر لصقل طبائعهم والحفاظ على مكتسباتهم الأخلاقية، المعززة لحضارة تعترف بكرامة الحياة وعدالتها.

ليس الانشغال، في زمن الثقافة الاستهلاكية، أن يقتات الإنسان على الصورة والبحث عن الإعجابات، ولا أن ينغمس في التراكمات المهنية التي تفرضها الوظائف لتعزيز سطوة الحضارة، ولا في الاهتمام برفقة نتسامر معها ونتبادل الحديث في مسائل السياسة والاقتصاد والحياة المبتذلة؛ بل في ذلك الانتقال الهادئ نحو أماكن تتجمل بذكرياتنا وثقافتنا وهويتنا.

هناك، يتحول الانشغال الحقيقي بالذات ليغدو موضوعا للبحث عن خلاص داخلي، لا إلى مأزق يحيل عالمنا نحو الخوف والهوس المرضي.

إن فصلا كاملا من حياة البشر يعد طورا من أطوار الارتقاء والتخلي نحو عافية النفس وخلاصها، في هذا الطور نعي أننا لسنا مرهونين بأن نعيش تفاصيل الآخرين.

قد يخشى الكثيرون الفراغ، فيلجؤون إلى البادية مع رفقتهم طمعا في النزهة وهربا من ضجيج الحضر، غير أن الفراغ، في جوهره الزمني لا المكاني، يمتحن الرفقة في حلها وترحالهافعالمنا ليس بادية أمام تلك الصور المتسارعة التي يرسمها الآخر، حيث نظن أنه في عافية أوسع وأفضل منا.

ويعود ذلك إلى تلك النظرة الشاملة للعافية، والبحث عمن يواسينا في أحزاننا ونؤانسه في أفراحنا من دون أن نتجاوب احتراما لخصوصيته.

فالعافية لا تكمن في العناوين لكنها تمنح التفاصيل البسيطة معنى للاعتراف بحضورنا الدائم.

يتبين لنا أن البشر يشتركون في طبائع ثابتة، كالهلع والخوف والعجلة والنسيان، غير أنهم يتفاوتون في حضر قيمهم وبادية أخلاقهم.

فالمكان ليس مجرد ريف تتعزز معه السكينة والهدوء، ولا مدينة بعماراتها الشاهقة ومطاعمها السريعة ووظائفها المرهقة، بل هو معنى أعمق يتصل بذواتنا ورفقتنا؛ إذ يمكن إعادة تعريف الحضر بوصفه اهتماما مفرطا بعالم الأشياء والآخر، بدل أن نأنس بتفاصيل خصوصيتنا، مع رفقة تجعل من عالمنا محل نظر واهتمام.

يمكننا، إذن، أن نقول إن ما يجعل الفراغ صحيا هو إحالة الإنسان إلى زمنه؛ فليس المكان من يحدد تفاصيل الحياة والرفقة والمصائر فحسب، بل إن تعاقب الليل والنهار يجعل بعض الأشياء ترحل مع فقد الإنسان شغفها بها، بينما تتعلق أخرى في ذاكرة البشرية، لترسم أطلالا تتغذى منها الذاكرة والتاريخ والهوية والمستقبل، حيث تكون البادية هامشا، والحضر مركزا لصياغة المعايير التي نتصارع داخل معانيها المختزلة.

إن فصلا آخر من الحياة لا يكتمل معناه إلا حين نتخلى عن تفاصيله البسيطة؛ كأن ننسى اللحظة التي دخلنا فيها المدرسة، أو كيف نجا بعضنا من مأساة محققة.

لكن ماذا لو نظرنا إلى اللحظة من عمر ذواتنا، لا من تاريخ يجثو على كل شيء، فيحيل تفاصيل الأحبة إلى هامش، حيث لا تبقى الصورة ملونة ولا الذاكرة حية؟قد يخشى الكثيرون الفراغ، فيلجؤون إلى البادية مع رفقتهم طمعا في النزهة وهربا من ضجيج الحضر، غير أن الفراغ، في جوهره الزمني لا المكاني، يمتحن الرفقة في حلها وترحالها، لنعيد نحن الذين في غيابات التاريخ وعلى هامش الحضارة صياغة العافية، حين لا تكون سكونا لحظيا في البادية، بل وعيا بكون الإنسان في لحظته الاستثنائية لا يفقد ذاته.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك