سيطرت حالة من الصمت على موقف المملكة العربية السعودية من قرار الإمارات الانسحاب الفوري من منظمة «أوبك»، وهي خطوة فاجأت جيرانها، وأثارت تساؤلات حول إدارة المملكة الفعلية لتكتل «أوبك بلس»، ورد الفعل الفوري للأسواق العالمية.
ولم يصدر عن المنظمة أو السعودية أي رد فعل رسمي، مما يعكس ما وصفته «فاينانشيال تايمز» البريطانية بـ«صدمة القرار والموقف الذي وجدت فيه المملكة نفسها».
فبينما كان الخلاف بين المملكة والإمارات يتصاعد منذ عدة سنوات، إلا أن توقيت الإعلان، في خضم حرب إقليمية، فاجأ الكثيرين.
ونقلت «فاينانشيال تايمز» عن مصادر مطلعة على الوضع أن «الرياض لم تتلقَ سوى القليل من التحذير ولم تتح لها فرصة للتفاوض قبل تسليم رسالة رسمية إلى وزير النفط السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان».
وقال مصدر مقرب من المسؤولين في المملكة: «كانوا يعلمون أن هذا سيحدث، لكن بعض الناس مستاؤون لأنهم لم يتلقوا تحذيرا مسبقا».
ويرى مراقبون أن قرار الإمارات، الذي يأتي في خضم حرب إقليمية وتوترات جيوسياسية متنامية، يزيد من تعقيد تداعياتها.
ووصفت محللة الطاقة هيليما كروفت القرار بأنه «لحظة لافتة للقيام بهذه الخطوة وسط الحرب».
- الإمارات تنسحب من منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك»- «أوبك بلس» تزيد حصصها من إنتاج النفط دون الإشارة إلى انسحاب الإماراتفي حين قال المعلق السعودي المقرب من الديوان الملكي، علي الشهابي، إن «خطوة الإمارات تبدو ذات دوافع سياسية أكثر منها ذات دوافع اقتصادية مقنعة».
وأضاف: «قد يكون الهدف هو التخلص من هيمنة السعودية على عملية صنع القرار، لكن الإمارات تواجه المعضلة الأساسية نفسها التي تواجهها السعودية: فزيادة الإنتاج إلى أقصى حد قد تؤدي إلى تآكل الأسعار.
كما أن بإبعاد نفسها عن كتلة المنتجين الخليجية الطبيعية، تخاطر الإمارات باكتساب الاستقلال على حساب النفوذ».
في الوقت الراهن، قالت «فاينانشيال تايمز» إن أولوية السعودية تتمثل في احتواء التداعيات، إذ تدرك تماما أن أي مظهر من مظاهر الغضب العلني قد يزعزع استقرار أسواق النفط المضطربة أصلا، أو يؤثر على الأعضاء الـ21 الآخرين في منظمة «أوبك» وتحالف «أوبك بلس» الأوسع نطاقا، في ظل إعادة تقييمهم لمواقفهم.
واكتفت الرياض بإظهار هدوءا وطمأنة حلفاءها بأن قدرتها على إدارة السوق لم تضعف.
وقال مصدر مقرب من المسؤولين السعوديين: «عليهم إظهار الاستقرار الآن».
وفي أول اجتماع لها منذ انسحاب الإمارات أمس الأحد، رفعت منظمة «أوبك بلس» هدف إنتاجها بمقدار 188 ألف برميل يومياً لشهر يونيو، بما يتماشى مع الزيادات التي شهدتها الشهرين السابقين باستثناء حصة الإمارات.
وقال رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة «ريستاد إنرجي»، خورخي ليون، إن «القرار استند إلى رغبة المنظمة في تقديم جبهة موحدة للعالم.
تتصرف منظمة (أوبك بلس) بهدوء.
من خلال التمسك بمسار الإنتاج نفسه، فإنها تتصرف كما لو لم يحدث شيء، وتقلل عمدا من شأن الانقسامات الداخلية وتعكس الاستقرار».
بدوره، قال خبير الطاقة في الشرق الأوسط في معهد «بيكر»، جيم كرين، في تصريح إلى «فاينانشيال تايمز»، إن «السعودية أمام خيارات قليلة جيدة للرد في ظل استمرار القيود المفروضة على شحنات النفط عبر مضيق هرمز»، مشيرا إلى أن «الطريقة التي اتبعتها السعودية لفرض الانضباط في منظمة أوبك تقليديا، هي التلويح بخطر حرب الأسعار، نظرا لأن قدرتها على ضخ كميات نفطية تفوق بكثير قدرة أي عضو آخر».
وتحدث مراقبون آخرون عن نقاط ضغط يمكن أن تلجأ إليها الرياض، بينها الحدود البرية الممتدة بين البلدين، والتي تُعدّ شريانًا حيويًا للتجارة.
وأشار كرين إلى أن «هذا المعبر الحدودي شديد الازدحام، والإمارات تعتمد اعتمادًا كبيرًا على السعودية في الغذاء، وخاصة منتجات الألبان، لا سيما الآن بعد إغلاق المضيق».
لكنه حذّر من أن أي اضطراب سيُمثّل «تصعيدًا خطيرًا للغاية».
على المدى القريب، نبهت «فاينانشيال تايمز» من أن السعودية قد تواجه مزيد الاضطرابات داخل منظمة «أوبك» نفسها.
وقد يشجع انسحاب الإمارات الأعضاء الآخرين على الضغط من أجل تخفيف قيود الإنتاج، لا سيما في أعقاب الصراع الإيراني، حيث ستسعى دول الخليج إلى استعادة حصتها السوقية.
وقال أحد المراقبين لمنظمة «أوبك»: «سيستخدمون هذا الأمر كوسيلة ضغط.
سيقولون: نحن نحبكم يا سعوديين، ولكن هل يمكننا إعادة النظر في مسألة حصصنا؟ السعودية تتوقع أن يسود التمرد من الجميع لفترة من الوقت».
في حين أوضح رئيس قسم الأبحاث في مجموعة «غونفور» لتجارة النفط، فريدريك لاسير، أن «التحدي الحقيقي يكمن في كبح جماح روسيا والعراق وكازاخستان وغيرها من الدول المتهمة بضخ كميات تتجاوز حصصها الرسمية في بعض الأحيان».
من جانبه، قال مسؤول سعودي سابق، في تصريح إلى «فاينانشيال تايمز»، إنه «من المستحيل حاليًا تقييم تأثير قرار الإمارات.
نحن نعيش حالة من الاضطراب بسبب الحرب، وهناك الكثير من الغموض يكتنف ما بعدها.
في الظروف العادية، كنا سنعرف ما إذا كان هذا القرار سيئًا، ولكن إلى حين إعادة فتح مضيق هرمز، فإننا نتخبط في الظلام».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك