مرّ النقد العربي الحديث بأطوار عديدة، وأجيال متتابعة، ساهم كل جيل بعطاء وافر في قراءة النصوص الأدبية قديمها وحديثها.
فمنذ مطلع عصر النهضة الأدبية الذي بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ ظهرت حركة نقدية متنوعة ما بين النقد الصحافي، والنقد الأكاديمي، والنقد الانطباعي، والنقد المدرسي، وكلها انبرت للتعليق والتحليل والحكم على الأعمال الإبداعية مختلفة الأشكال: شعرا وسردا ونثرا، متواكبة مع وجود قاعدة قرائية واسعة، تلقت النصوص الأدبية المنشورة، وبحثت عن نقاد ينظّرون لها، ويوضحون أهم سماتها، وأبرز رسائلها.
وبعبارة أخرى: فإن النهضة الأدبية الحديثة، أفرزت مبدعيها ونقادها، وبعض المبدعين كانوا نقادا، أي جمعوا الإبداع والتنظير والممارسة النقدية التحليلية، مثل عباس محمود العقاد (1989-1964وطه حسين (1889- 1973)، وإن كان غالبية المبدعين اكتفوا بالإبداع، على قناعة منهم بأن الإبداع عملية سابقة على النقد، وكلما تميز النص الإبداعي في صياغته؛ حفز الناقد للغوص والتحليل فيه.
وهناك من المبدعين والنقاد مَن سعوا إلى نشر مذاهب أدبية جديدة، تأثرا بالمذاهب الأدبية الغربية بخلفياتها الفلسفية والفكرية، مثل مدرسة الديوان والمدرسة الرومانسية، وهو ما ينبغي التنبيه عليه، بأننا لا يمكن قراءة حركة النقد العربي الحديث بمعزل عن التيارات الفكرية والأدبية والنقدية في الغرب، وهي قراءة تحتّمها الموضوعية في التناول المنهجي، من دون الوقوع في براثن الاستلاب النفسي إزاء حضارة الآخر الغربي، أو التحصن الثقافي الهوياتي، الذي يأبى أن يكون للغرب أي تأثير على ثقافتنا الحديثة، ظنا منه أن يدافع عن هويتنا الثقافية والحضارية، من زاوية إنكار تأثيرات الآخر الغربي علينا.
وهنا نلتقي مع ما يذكره سعد البازعي بأن ثمة محددات ثلاثة علينا مراعاتها في قراءتنا لحركة النقد الأدبي الحديثة، أولها: أن واقع النقد العربي الحديث ليس في نهاية المطاف سوى جزء من واقع الثقافة العربية بشكل عام، وأن كثيرا مما يصدق هنا، يصدق هناك.
ثانيها: أن النقد العربي الحديث حقق الكثير من الإنجازات عبر علاقته الطويلة بالنقد الغربي، ولكنه أيضا واجه من المآزق والإخفاق ما يفوق ما حققه من نجاح.
ثالثها: أن قراءة النقد العربي الحديث من زاوية المثاقفة مع الآخر، فالمثاقفة تعد إشكالية كبرى لثقافات أخرى كثيرة في أنحاء العالم.
فلا شك أن حال النقد العربي لا ينفصل عن واقع الثقافة العربية وفضائها الواسع.
ففي العصر الحديث تم إحياء التراث العربي البلاغي والنقدي والفكري واللغوي، ورأى عدد من دارسي الأدب، أن في التراث ما يغني عن المعاصرة، ولذا، رأينا مواقف منهم متشنجة، تنظر إلى الثقافة الغربية الوافدة على أنها ذوبان في الآخر، وفي الوقت نفسه، هناك من المثقفين والمفكرين من جهلوا تراثنا العربي، ورأوا أن سبيلنا الأوحد هو التمترس في الفكر الغربي، وصدرت منهم مقولات وشعارات تتعالى على الموروث، وإن دراسته فهي تلج إليه بمنهجيات غربية، وبعيون استشراقية، وهناك من أراد الجمع والمزج بين التراث والمعاصرة.
وثمة مَن آثر أن يكون متفرجا وليس لاعبا، يمتاح من مقولات كل فريق ما يتوافق مع هواه، دون أن يغوص في الخلفيات المعرفية، ولا المعارك الجدلية.
ولكن الحقيقة المسلم بها، بعد ما يزيد على القرن من التعاطي الثقافي مع الآخر الغربي، أن النقد العربي الحديث حقق الكثير من المنجز المعرفي والمنهجي من خلال تواصله الثقافي، شئنا أو أبينا، فنحن ننظر هنا بمرآة التاريخ، وفي ضوء الثمرة، بعدما انتهت المعارك، وانفضت المناكفات، وبقيت المنجزات.
ولذلك، نرى وجوب إعادة قراءة تاريخ النقد العربي الحديث في ضوء مفهوم المثاقفة، الذي ينأى عن مفاهيم أخرى إشكالية، أبرزها مفهوم الاستلاب الحضاري، الذي يعني التأثر إلى حد الذوبان في ثقافة الآخر، ومفهوم الرفض الذي يعني التخندق في الموروث الثقافي، وبينهما مفاهيم عديدة منها تتعلق بالاشتباك والتصارع والذود، وأيضا الهيمنة والتبعية والانسلاخ والاستقواء والسقوط.
فالمثاقفة هي تفاعل بين الذات والآخر من أجل صياغة جديدة، تعكس رؤية تطورية حضارية للعالم، حيث إنها تختزل واقع تعايش؛ وتلاقح ثقافات مختلفة، تقوم على أساس من الشراكات الضمنية بين الأنا والآخر، بغية إنتاج معرفة موضعية، تهدف إلى الارتقاء بالإنسان وشروط حياته.
فمفهوم المثاقفة يفضّ كثيرا من التشنجات الفكرية، والتأزمات النفسية الثقافية، لأنه لا يعني الدلالة السلبية التي يفهمها البعض باستعلاء ثقافة على ثقافة، وهيمنة حضارة قوية على حضارات أو ثقافات ضعيفة، وإن وُجٍدَ بشكل أو بآخر، وإنما يعني الدلالة الإيجابية التي تتمحور في التلاقح الثقافي، والإفادة الحضارية، من دون استلاب أو ذوبان.
نقول ذلك، ونحن متفهمون لأسباب الرفض التي يبديها البعض، إزاء حضارة الآخر الغربي الأوروبي والأمريكي، لعوامل عديدة، أبرزها الهيمنة الاستعمارية، التي ما زلنا نعاني من آثارها، وامتداداتها، والعولمة بكل تأثيراتها القيمية والأخلاقية، وأهمية الدراسة المتعمقة لتراثنا الثقافي والفكري والنقدي، ففيه ما يمكن أن يثري حركتنا النقدية والفكرية الحديثة، مع الرفض التام للتبعية، والغزو الثقافي، وهيمنة الخطاب الكولونيالي، وما يتصل به من استتباع واستقطاب وإماتة الخصوصية الثقافية، وبهذا تكون المثاقفة تمسكا بهويتنا، وتلاقحا مثمرا بنّاء مع ثقافة الآخر، وأيضا توصلا يراعي الندية الثقافية والحضارية.
فالمثاقفة تعني: إثراء لمحتويات ثقافة وتلقيح ثقافة أخرى، فالنص القوي (وأيضا الفكر والمنهج القويان) يخلق حقيقته، ويوجد مفاعيله، ويفرض نفسه، ولا محيد لأحد على الوقوع تحت تأثيره، حتى لو دخل عليه دخول المفكر المعترض.
ولنتذكر جيدا أن كثيرا من كتب تراثنا العربي احتلت مكانة سامقة في التراث العالمي، ولا يزالون – إلى يومنا- يعودون إليها، مثل كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، ومؤلفات ابن رشد، وابن طفيل، والإدريسي، والبيروني، وابن سينا، والإدريسي.
كما أن واقع الثقافة العالمية يسير نحو التوحيد (بمعنى الوحدة)-على حد قول شكري عياد- يتم ذلك في السياسة والاقتصاد، وأيضا في الثقافة، ومَن ينعزل يحكم على نفسه بالموت، وهناك شعوب لا تواجهها المشكلة، لأنها لا تمتلك تراثا قوميا يميزها، مثل بعض الشعوب في آسيا وافريقيا، خاصة الشعوب البدائية، التي لم تعرف الحضارة إلا على أيدي المستعمر الغربي، فيكون ذوبانها وتأثرها ميسرا مع الثقافة الغربية، أما الشعوب التي تمتلك تراثا قوميا، ولها شخصيتها الثقافية مثل الشعوب العربية، فهي تواجه خطر الموت إذا انعزلت، حيث ستكون خارج العصر، والتطور العالمي، وخطر الموت أيضا إذا اندمجت كلية في الثقافة الغربية، ولذا، ليس أمامها إلا التعاطي الإيجابي، على قاعدة المثاقفة، والتواصل الحضاري، والإفادة البنّاءة، وهذا ما فعلته الثقافة العربية الحديثة، في حقب كان التأثر فيها بين شد وجذب.
أما مفهوم المجايلة الأدبية، فهو يُفهَم ضمن السياق التاريخي، وفي ضوء الملابسات والمناهج والأيديولوجيات التي أثّرت في العصر، ووفق المعطيات الاجتماعية والتوجهات الفكرية والتيارات الأدبية، التي شاركت في صياغة ملامح كل جيل، وحساسيته الفكرية والجمالية، فلا يمكن حصرها بين ما هو قديم منها، وما هو جديد، ولا بين ما خلّفته الأجيال السابقة، وما أحدثته الأجيال اللاحقة، ولا بين ما هو موروث وما هو مجلوب، إضافة إلى تعدد مصادر التأثير من فلسفة وفنون وتاريخ وأعمال أدبية ونقدية وفكر سياسي.
يضاف لذلك، السياق الاجتماعي، واللغة، والتقنيات البلاغية، وجمهور القراء والجماعات الوسيطة، ونمط البناء الجيلي، تمثل في كليتها مؤشرات لتصنيف رؤية كل جيل أدبي، وهي التي تتفاعل مع أذهان مبدعيه وأحاسيسهم، مع وعيهم بظروف حياتهم العامة والشخصية، لكي تتخلق في النهاية فرادة حساسيتهم الخاصة، أي طريقتهم في الإدراك، وفي التعبير، وفي بناء النص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك