في الأدبيات الإدارية الحديثة، يُعد الحزم أداة أساسية للقيادة الفعّالة، ليس بوصفه تشددًا، بل كوسيلة لضبط السلوك ومنع تفاقم المشكلات.
ويبرز ذلك بوضوح في إدارة العقارات، حيث لا يُنظر للعقار كأصل ثابت فحسب، بل كمنظومة تشغيلية للمتابعة، تعتمد على انتظام التدفقات المالية والتزام جميع الأطراف؛ وأي تهاون.
وقد مرّ عليّ شخصيًّا مثال يعكس هذه الفكرة بوضوح، حين تواصل معي أحد المسؤولين عن إدارة عقار، يشتكي من حالة كانت بدايتها مساعدة إنسانية، والتعاطف مع ظروف أحد المستأجرين الذي كان يتعذر ويتأخر في سداد الإيجار الشهري.
في البداية، بدا الأمر مبررًا، ولكن مع مرور الوقت أصبحت عادة طبيعية لديه، وتراكمت عليه المبالغ، وأصبح من المستحيل عليه الالتزام.
المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، بل انتقلت العدوى إلى بقية المستأجرين في المبنى، حيث أصبح التأخير وعدم الالتزام بالدفع في الموعد المحدد أمرًا طبيعيًّا ومقبولًا.
ومع تفاقم الوضع، وجد الشخص نفسه أمام تحدٍ كبير في الإدارة وتحصيل المستحقات، وفضل بيع العقار والتخلص من المتاهة التي يصعب التعامل معها، وتحولت المسألة المديونية إلى نزاعات وإجراءات قانونية معقدة.
هذا المثال يعكس حقيقة إدارية مهمة: أن الحزم ليس قسوة، بل إجراء وقائي يحمي النظام من الانفلات.
فالتأخير في اتخاذ القرار الحازم قد يفتح الباب لسلوكيات يصعب ضبطها لاحقًا، ويؤدي إلى خسائر مالية وتنظيمية أكبر.
وعند إسقاط هذا المفهوم على مستوى أوسع، نجد أن التوجيهات القيادية الحكيمة جاءت في محلها حين اتسمت بالحزم في التعامل مع من أساء استغلال الثقة ووقف في صف العدوان الإيراني الغاشم، بينما أبطالنا يناضلون بدمائهم وأرواحهم في سبيل الدفاع عنه، فحرص جلالة الملك على صون الوطن والمواطنين يعكس نهجًا واضحًا يقوم على الردع كوسيلة لحماية المصلحة العامة وضبط الأمن، والتأكيد على أن الحزم لا يهدف إلى المعاقبة بقدر ما يهدف إلى منع الانحراف نحو الغدر والخيانة.
في النهاية، يظل الحزم أحد أهم ركائز الإدارة الرشيدة، ولا يُفهم فقط في إطار المعاقبة، بل كنهج تنظيمي يهدف إلى تعزيز الانضباط.
وهو في جوهره أسلوب استباقي يضمن الاستدامة والعدالة، فهناك خيط دقيق لا بد من إدراكه… لأن الحفاظ على الانضباط في كثير من الأحيان، هو أسمى أشكال العدالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك