تردد اسم محمود باشا الفلكي وخرائطه الجغرافية خلال الإفصاح عن الكشف الأثري الأخير الذي أعلنت عنه وزارة السياحة والآثار مؤخرًا فى محرم بك بالإسكندرية.
وأظهر الكشف الأثري الفريد النتائج الجديدة تدعم وتعيد تقييم الخرائط التاريخية للمدينة، خاصة أعمال محمود بك الفلكي، التي تُعد من أوائل المحاولات العلمية لإعادة بناء التخطيط العمراني لمدينة الإسكندرية، باستخدام منهج يجمع بين القياسات الفلكية والدراسات الطبوغرافية والتحليل التاريخي.
وقد أنجز محمود باشا الفلكي، خريطة للإسكندرية بأمر من الخديو إسماعيل في سنة 1282هـ/ 1865م، وقد رسم محمود أحمد حمدي الفلكي باشا الخريطة؛ لمعرفة ما كانت عليه تلك المدينة في زمن اليونان والرومانيين.
وقد عمل على إنجاز الخريطة 5 أفندية من المهندسين، فيما تولى ما تبييض أمين أفندي الصباغ الرسم وتلوينه.
محمود باشا الفلكي (1815 - 1885م)، ويُقال له محمود حمدي الفلكي، مهندس ورياضي من علماء مصر النوابغ، وُلد في بلدة الحصة بإقليم الغربية، وتعلم بالإسكندرية ثم بالقاهرة، وقد تم تعيينه أستاذًا للعلوم الرياضية والفلكية بمدرسة المهندسين ببولاق، وأرسلته الحكومة المصرية إلى أوربا سنة 1266هـ، للإحصاء في العلوم الرياضية والفلكية، وعاد سنة 1275هـ فكان من أعضاء المعهد العلمي المصري، وناب عن الحكومة المصرية في المجمع الجغرافي بباريس سنة 1292هـ، وعُين وكيلا للمعهد العلمي سنة 1297هـ، وناظرًا للاشغال العمومية سنة 1299هـ، فمكث شهرين وأسبوعا وصُرف عنها.
وعُين سنة 1300هـ وكيلا لوزارة المعارف، فلبث 13 شهرًا و 12 يوما، وعين ناظرًا للمعارف سنة 1301هـ، فاستمر 18 شهرا و 13 يوما انتهت بوفاته في القاهرة.
ومن آثار الفلكي باشا، خريطة الوجه البحري بمصر، ونتائج الافهام في تقويم العرب قبل الإسلام وتحقيق مولد النبي وعمره ـ عليه الصلاة والسلام -، رسالة كتبها بالفرنسية وترجمها إلى العربية أحمد زكى، ومثلها (نخبة إجمالية في الجغرافية المصرية) وقد عربها أحمد حمدي، وله رسالة في التقاويم الاسلامية والإسرائيلية، ورسالة في الإسكندرية القديمة، والتنبؤ عن ارتفاع النيل قبل ارتفاعه، ورسالة في المقاييس والمكاييل بالديار المصرية ومقابلتها بالمقاييس الإفرنسية، ورسالة في أهرام الجيزة، ورسالة في عمر أهرام مصر، وترجم عن الفرنسية رسالة في حساب التفاضل والتكامل.
وقد سجل التاريخ للفلكي أنه أول واضع لمدفع الظهر بالقلعة في القاهرة باتجاه خط الزوال، وأنشأ على سطح منزله بالجهة الغربية بميدان الأزهار بالقاهرة مزولة تبين ساعات النهار، وأنصاف الساعات وأرباعها ووقتي الظهر والعصر، وقد أزيلت بعد وفاته.
بيان وزارة السياحة والآثاركشفت بعثة حفائر الإنقاذ التابعة للمجلس الأعلى للآثار، العاملة بمنطقة محرم بك بحي وسط الإسكندرية، عن مجموعة متميزة من العناصر الأثرية والمعمارية، التي تُسهم في إلقاء الضوء على تطور الحياة الحضرية بمدينة الإسكندرية عبر عصورها التاريخية المختلفة.
ووصف شريف فتحي وزير السياحة والآثار هذا الكشف بأنه إضافة نوعية لسجل الاكتشافات الأثرية بمدينة الإسكندرية، مؤكدًا على أنه يعكس الأهمية التاريخية والحضارية للمدينة كأحد أبرز المراكز الثقافية في العالم القديم، ويُبرز مكانتها الفريدة كواحدة من أهم الحواضر التاريخية، بما تجسده من ثراء حضاري وتنوع ثقافي متراكم عبر العصور.
وأوضح أن نتائج هذا الكشف تُسهم في إعادة رسم الخريطة العمرانية لمدينة الإسكندرية القديمة، كما تؤكد استمرار الجهود المصرية في حماية وصون التراث الأثري، لا سيما من خلال حفائر الإنقاذ المرتبطة بمشروعات التنمية، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على التراث ودعم خطط التنمية المستدامة.
ومن جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن أعمال الحفائر كشفت عن تسلسل حضاري متكامل يبدأ من العصر البطلمي مرورًا بالعصر الروماني وصولًا إلى العصر البيزنطي، بما يعكس استمرارية الاستيطان بالموقع عبر فترات زمنية متعاقبة.
وأشار إلى أن من أبرز المكتشفات حمامًا عامًا دائريًا من طراز (Tholoi) يرجع إلى العصر البطلمي المتأخر، إلى جانب بقايا فيلا سكنية رومانية مزودة بأرضيات من الفسيفساء متعددة الطرز، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من الرفاهية والتخطيط العمراني خلال تلك الفترات.
وأضاف محمد عبد البديع رئيس قطاع الآثار المصرية، أن الموقع يقدم نموذجًا متكاملًا لتطور العمارة السكنية والخدمية في الإسكندرية القديمة، حيث كشفت الحفائر عن منشآت مائية متطورة، من بينها حوض استحمام (مسبح صغير) مرتبط بالفيلا الرومانية، مزود بنظام متكامل لإدارة المياه.
كما أشار إلى تنوع تقنيات تنفيذ أرضيات الفسيفساء المكتشفة، والتي شملت أسلوبي (Opus Tessellatum) و(Opus Sectile)، بما يعكس ثراء وتنوع المدارس الفنية بالإسكندرية خلال العصرين البطلمي والروماني.
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور هشام حسين رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري أن هذا الكشف يسهم في سد فجوة أثرية مهمة في القطاع الجنوبي الشرقي من الإسكندرية القديمة، وهي منطقة لم تحظَ بدراسات كافية من قبل.
وأوضح أن النتائج الجديدة تدعم وتعيد تقييم الخرائط التاريخية للمدينة، خاصة أعمال محمود بك الفلكي، التي تُعد من أوائل المحاولات العلمية لإعادة بناء التخطيط العمراني لمدينة الإسكندرية، باستخدام منهج يجمع بين القياسات الفلكية والدراسات الطبوغرافية والتحليل التاريخي.
كما تؤكد أن المنطقة كانت ضمن النطاق العمراني داخل أسوار الإسكندرية حتى العصر البيزنطي، قبل أن تتراجع أهميتها لاحقًا نتيجة تغيرات التخطيط العمراني.
وأشار إلى أن المكتشفات تضمنت أيضًا مجموعة متميزة من اللقى الأثرية المنقولة، من بينها تماثيل رخامية لعدد من المعبودات مثل باخوس وأسكليبيوس، بالإضافة إلى تمثال فاقد الرأس يُرجح أنه للمعبودة مينيرفا.
كما تم العثور على عملات، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وأجزاء من أمفورات مختومة، تعكس في مجملها النشاط التجاري والثقافي المزدهر الذي شهدته الإسكندرية القديمة، وعلاقاتها الواسعة مع محيطها في البحر المتوسط.
وفي هذا السياق، أفاد الأستاذ إبراهيم مصطفى رئيس البعثة ومدير حي وسط أن أعمال الحفائر استمرت لعدة أشهر وأسفرت عن نتائج استثنائية، مؤكدًا أن الفريق بدأ بالفعل في تنفيذ أعمال الترميم المبدئي للمكتشفات تمهيدًا لنقلها إلى المعامل المتخصصة.
كما أشار إلى أنه يجري حاليًا دراسة عرض أبرز القطع المكتشفة بالمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، بما يسهم في تعزيز تجربة الزائرين وإبراز أهمية هذا الكشف، إلى جانب استكمال أعمال الحفائر بالموقع، التي قد تسفر عن المزيد من الاكتشافات خلال الفترة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك