اشتدت غارات طائرات دول المحور على المدن المصرية، أثناء الحرب العالمية الثانية، فوضعت «مصلحة الوقاية المدنية» تقريرا نشرته الأهرام فى 19 يونيو1940، تحذر فيه من أن كثيرين من طبقات العمال والفقراء يسيرون حفاة الأرجل، مما يعرضهم لخطر الغازات السامة إذا استعملت فى الغارات الجوية، ولهذا بحثت «المصلحة» بالاشتراك مع وزارة الشؤون الاجتماعية مشروعا بتوزيع نعال من المطاط على المحتاجين، وقاية لهم من خطر هذه الغازات، حسبما يذكر الدكتور يونان لبيب رزق فى مقاله «مقاومة الحفاء فى مصر»، المنشور فى الأهرام يوم 19 أغسطس 2007.
لم تهتم حكومة على ماهر بهذا التقرير إلى أن جاءت حكومة حسين سرى باشا، فظهر فى عهدها دعوة «مشروع مقاومة الحفاء»، ويؤكد «لبيب رزق»، أن هدف الترويج لهذا المشروع كان لصرف أنظار الناس عن مجريات الحرب التى بدأت تقترب من الإسكندرية، ويضيف: «بشكل مقصود وفى إحدى زيارات الملك فاروق، بصحبة حسين سرى باشا، أبدى الملك رغبته فى ألا يمضى وقت طويل إلا ويرى جميع رعاياه يرتدون النعال، شأنهم شأن الشعوب المتقدمة، وقدم هبة ملكية سخية مفتتحا بذلك باب التبرعات لتحقيق هذا المشروع».
يذكر «رزق» أن وقوف «مولانا» وراء الدعوة أدى إلى استجابة كبيرة لها، شجعها إعلان القصر نيته منح الباشوية والبكوية لمن يزيد تبرعه عن مبلغ معين، وبعث رئيس الوزراء كتابا إلى رئيسى مجلسى الشيوخ والنواب لتوجيه اهتمام أعضاء المجلسين وموظفيهما لهذا المشروع الجليل، وبدأت عملية جمع التبرعات من هؤلاء ومن غيرهم.
يضيف «رزق» أن أول قائمة تبرعات بلغت 786 جنيها، وكان أحمد عبود باشا أول المتبرعين «500 جنيه»، و«100جنيه» من موظفى محال صيدناوى، ومبالغ أقل من بعض شخصيات القصر، وضمت القائمة مبلغ 10 جنيهات من بطريرك الأقباط الأرثوذكس، وجنيه واحد من مدام مدين بالإسماعيلية، كما ضمت قائمة أخرى 17 جنيها دفعها طلعت حرب باشا ودسوقى أباظة بك ومحمد حسن العبد بك ومحال جروبى وبنزايون وعدس.
يؤكد «رزق» أن قيمة التبرعات بلغت أكثر من 36 ألف جنيه، فقررت وزارتا الداخلية والمالية إيداعها فى بنك مصر فى حساب باسم رئيس الوزراء حسين سرى باشا، وفى أوائل مارس1941 اتخذت الحكومة خطوات لتنشيط المشروع، منها تشكيل «لجنة مركزية» برئاسة «سرى باشا»، انبثق منها لجنة فرعية، برئاسة عبدالخالق حسونة بك، وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية، لتحصيل التبرعات بشكل إلزامى، وفى هذا الاتجاه، أبلغت وزارة الخارجية بعثات التمثيل السياسى المصرى فى الخارج بأن مجلس الوزراء وافق على خصم أجزاء معينة من رواتب الموظفين لمشروع مقاومة الحلفاء، فى نفس الوقت تلقى مديرو المديريات رسائل بأن يقوموا بواجبهم فى هذا الشأن.
يضيف «رزق» أن الاستجابات بالتبرع الإجبارى توالت من الأقاليم، فقرر أعضاء نقابة التعليم الإلزامى بالإسكندرية التبرع بواحد فى المائة من مرتباتهم للمشروع، وجمعوا 850 قرشا، وتشكلت لجنة خاصة برئاسة المحافظ «محمد حسين باشا»، ضمت أعيان مصريين وأجانب من المدينة، وتلقت تبرعات فورية وصلت 120 جنيها، ونجح مدير الشرقية فى جمع 2000 جنيه خلال فترة قصيرة، وجمع مدير البحيرة 510 جنيهات، وهو ما فعله محافظ منطقة القنال، وفى أقصى الجنوب قام مأمور مركز منفلوط بجمع 500 جنيه من أبناء المدينة، وجمع مأمور مركز نجع حمادى 2200 جنيه من أعيان بلاد المركز وسكانه، وجمع مأمور مركز ملوى 1526 جنيها من أعيان المركز، وجمع مأمور مركز البلينا 3000 جنيه، وعلى الجانب الآخر وجه مأمور مركز منوف ومأمور مركز أشمون تحذيرا إلى اللجان فى مركزيهما بعدم إجبار الناس على التبرع، ويترك الأمر لاختيارهم.
يذكر «رزق» أن المشروع دخل حيز التنفيذ بعد أن أعلنت محافظة الإسكندرية عن تلقيها نماذج لأحذية مقترحة للطبقات الفقيرة من الصنادل الخفيفة، بعضها مصنوع من نعل أبيض عليه قدة صغيرة واحدة من الجلد، وآخر عليه قدتان، ولم يكن بينهما نموذج يكسو القدم، فقررت اللجنة المنوط بها الاختيار وعدم صلاحية النموذجين، لأن الصنادل المكشوفة لا تصلح لمقاومة الحفاء لأنها لا تستر الأقدام.
يضيف «رزق» أن المسؤولين عن المشروع توصلوا إلى حل بشأن شكل الحذاء المقترح وثمنه، وكشف عن ذلك خبر طويل بالأهرام يوم 5 مايو، مثل هذا اليوم، 1941، جاء فيه أن اللجنة المنوط بها الأمر ستبدأ من اليوم التالى، وبمناسبة عيد الجلوس الملكى فى توزيع 15 ألف حذاء على المستحقين من تلاميذ التعليم الإلزامى بالقاهرة والإسكندرية ودمياط والقنال والسويس ومديرية أسوان، وعلى الفقراء والعمال المتعطلين، وخصت اللجنة تلاميذ التعليم الإلزامى بالنصيب الأوفر من أحذية الفقراء، فنالوا11 ألفا منها، أرسلت لوزارة المعارف لتوزعها على المدارس والمكاتب العامة لارتدائها بمناسبة عيد الجلوس.
يعلق «رزق»: «انتهت حملة مقاومة الحفاء بهذا الخبر، ويقينا فإنها لم تقض عليه كما تصور البعض، فالقضية كانت فى حاجة إلى مزيد من الوقت لتغطية كل أقدام حفاة المصريين».
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك