تحولت مناطق في صحراء المغرب منذ أيام قليلة إلى ميادين لحرب" غير تقليدية"، تتسم باختبار أنظمة دفاع جوي متطورة وطائرات من دون طيار، واستخدام تقنيات حربية إلكترونية، وذلك ضمن مناورات" الأسد الأفريقي" المشتركة بين المغرب والولايات المتحدة الأميركية والتي تستمر حتى الثامن من الشهر الجاري.
وتقام هذه التدريبات العسكرية على وقع التوترات المتصاعدة، بدءاً من الحرب في إيران وصولاً إلى الاختلالات الأمنية التي تعصف بمنطقة الساحل.
وهي مناورات تحمل ـ وفق مراقبين ـ رسائل تتجاوز البعد التدريبي إلى مستوى إعادة رسم هندسة الردع والتنسيق في غرب المتوسط والعمق الأفريقي.
التدرب على الحروب غير التقليديةحادثة فقدان جنديين أميركيين عكرت صفو مناورات" الأسد الأفريقي" في نسختها الـ22، التي تجري في مناطق بنجرير وأغادير وطانطان وتارودانت والداخلة وتيفنيت.
وفيما تطابقت الروايات حول سقوطهما في المحيط، فتح تحقيق لكشف ملابسات هذا الحادث.
وتطابقت مواقف رسمية مغربية وأميركية بشأن خلفيات اختفاء الجنديين المذكورين، إذ نفت مسؤولة عسكرية أميركية صلة هذه الحادثة بالإرهاب، باعتبار أن" المعلومات الأولية تشير إلى احتمال أن يكون الجنديان قد سقطا في المحيط الأطلسي أثناء جولة تنزه ترفيهية بعد انتهاء التدريبات اليومية"، بينما شدد الجانب المغربي على أن" عمليات تعقب أثر الجنديين مستمرة بالتنسيق بين القوات المسلحة المغربية ونظيرتها الأميركية.
وتركز المناورات العسكرية الجارية على تجاوز التدريبات التقليدية المتعارف عليها، إلى التمرن أكثر على التحول الرقمي العسكري، من خلال استخدام أنظمة دفاع جوي متطورة و" طائرات انتحارية" من دون طيار، علاوة على إدماج الصناعة العسكرية المغربية الناشئة في بعض مراحل التموين أو الدعم التقني للمناورات، تماشياً مع طموح المغرب لتوطين الصناعات الدفاعية.
وتهتم المناورات العسكرية المشتركة بين المغرب والولايات المتحدة بما يمكن تسميته" الأمن القومي العابر للحدود"، عبر مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، إذ تتدرب الجيوش على الاستجابة السريعة لمواجهة التهديدات غير النمطية التي تأتي من الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي.
وأما" الجانب الناعم" من مناورات" الأسد الأفريقي" هذا العام، فيتمثل في إقامة مستشفيات ميدانية في العديد من المناطق النائية وتقديم خدمات طبية للساكنة الفقيرة، وتحسين الولوج إلى العلاج والتخفيف من معاناة المرضى، وذلك بهدف توطيد" العلاقة الإنسانية" بين الجيش والمدنيين.
وتنظر الولايات المتحدة إلى مناورات" الأسد الأفريقي"، التي يشارك فيها أكثر من 40 دولة بصفة مشارك أو مراقب، وتنخرط فيها أزيد من 30 شركة صناعية عسكرية أميركية، كفرصة محورية لضمان" التفوق في اتخاذ القرار"، واختبار الجيل المقبل من الأسلحة في ظروف بيئية واقعية وصعبة.
في هذا الصدد، أفاد الخبير في الشأن الاستراتيجي، محمد عصام لعروسي، بأن مناورات" الأسد الأفريقي" لهذا العام تأتي في ظل تطورات متسارعة تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية، مورداً أن هذه التمرينات تُقام على وقع التوترات المتصاعدة، بدءاً من الصراع الإيراني مع القوى الأميركية والإسرائيلية، وصولاً إلى الاختلالات الأمنية التي تعصف بمنطقة الساحل.
ولفت لعروسي إلى أن منطقة الساحل تواجه هجمات متزايدة من حركات انفصالية وإرهابية، من أجل زعزعة استقرار المنطقة، ومحاولة عرقلة المبادرات المغربية، وفي مقدمتها مقترح الحكم الذاتي لحل نزاع الصحراء، بخاصة بعد الإحاطات الأممية الأخيرة.
وعلى الصعيد الميداني، أوضح المحلل ذاته أن" المناورات العسكرية المشتركة تهدف إلى تمتين الشراكة العملياتية بين الرباط وواشنطن"، مشيراً إلى أنها تركز على تزويد القوات المسلحة الملكية بآليات الحرب غير التقليدية.
وأكمل لعروسي بالقول إن" التدريبات العسكرية تشمل تقنيات الحرب الهجينة"، واستخدام الطائرات المسيرة وأنظمة المراقبة والتتبع المتطورة، بهدف تعزيز السيطرة الجغرافية ومنع تسرب التهديدات العسكرية الحديثة.
وشدد لعروسي على أن استمرار هذه المناورات يعد تثميناً للدور القيادي للمغرب في أفريقيا وتأكيداً على قوة الشراكة مع الولايات المتحدة، أيضاً وصول القوات الأميركية إلى منطقة" المحبس" يحمل دلالة سياسية قوية، واصفاً ذلك بأنه" اعتراف فعلي وعملي" بمغربية الصحراء، يتجاوز الأدبيات السياسية التقليدية.
وخلص المحلل الاستراتيجي إلى أن التوقيت الحالي لمناورات" الأسد الأفريقي"، على رغم الاضطراب الدولي، يدفع بقوة نحو إرساء تعاون متين وغير مسبوق بين المغرب والولايات المتحدة الأميركية، بما يخدم استقرار المنطقة وتوازن القوى فيها.
من جهته، يرى الباحث في الشأن الدولي والاستراتيجي هشام معتضد أن مناورات" الأسد الأفريقي" تحمل رسائل تتجاوز البعد التدريبي إلى مستوى إعادة رسم هندسة الردع والتنسيق في غرب المتوسط والعمق الأفريقي، أولها أن الشراكة المغربية - الأميركية لم تعد محصورة في إطار التعاون الدفاعي التقليدي.
ويشرح معتضد" انتقلت هذه الشراكة إلى مستوى التشغيل البيني المتقدم، حيث تصبح الجيوش قادرة على العمل ضمن منظومة قيادة وتحكم مشتركة في الزمن الحقيقي"، مردفاً أن" هذا النوع من التكامل يعكس ثقة استراتيجية عالية، ويُرسل إشارة واضحة بأن المغرب يتحول إلى منصة استقرار وارتكاز عملياتي داخل الحسابات الأميركية في المنطقة".
الرسالة الثانية، يضيف معتضد، هي ذات طابع جيوسياسي إقليمي، وتتمثل في تثبيت معادلة توازن جديدة قائمة على الجاهزية متعددة المجالات (براً وبحراً وجواً وسيبرانياً)، فالمناورات لا تختبر فقط القدرات القتالية، بل تختبر أيضاً سرعة نقل القرار وتكامل المعلومات الاستخباراتية والقدرة على إدارة الأزمات المركبة.
واستطرد المحلل عينه بأنه في بيئة إقليمية تتسم بتصاعد التهديدات غير التقليدية، من الإرهاب إلى الحروب الهجينة، تصبح هذه التمارين بمثابة" بروفة استراتيجية" لسيناريوهات معقدة، وهو" ما يعزز موقع المغرب كفاعل قادر على الإسهام في الأمن الجماعي".
وانتقل معتضد إلى الرسالة الثالثة من تنظيم هذه المناورات العسكرية، تتعلق بالبعد الأفريقي، إذ تتحول هذه التدريبات المشتركة بين المغرب وأميركا إلى منصة لعرض ونقل الخبرة العسكرية، بخاصة في مجالات مثل الطائرات من دون طيار والقيادة الرقمية والتكتيكات الحديثة.
وأردف معتضد أن" اختيار المغرب لاحتضان هذه الدينامية يعكس رهاناً أميركياً على فاعل إقليمي قادر على تأطير وتكوين شركاء أفارقة، بما ينسجم مع مقاربة تقاسم الأعباء الأمنية"، مبرزاً أنه" بهذا المعنى لا يُنظر إلى التمرين كحدث عسكري معزول، بل كآلية لبناء شبكات نفوذ وتأثير تمتد عبر القارة الأفريقية".
والرسالة الرابعة يراها معتضد الأبرز من وراء" الأسد الأفريقي"، وهي الانتقال من منطق" التحالف الرمزي" إلى منطق" الاندماج الوظيفي"، فكلما تعمق التنسيق العملياتي، تقلّص هامش الغموض الاستراتيجي، وازدادت قدرة الأطراف المشاركة على فرض الاستقرار أو احتواء الأزمات.
ووفق هذا الفهم، تتخطى مناورات" الأسد الأفريقي" كونها تمارين عسكرية دورية تقام كل عام على الأراضي المغربية، لتتحول إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بهدوء، عبر القوة الصلبة المدعومة بالهندسة الدقيقة للتعاون العسكري.
واسترسل الباحث بأن هذه المناورات تحمل رسالة ردع غير مباشرة، لكنها محسوبة بدقة.
فاختبار قدرات متقدمة في مجالات الضربات الدقيقة والاستطلاع متعدد الطبقات والتنسيق بين الأنظمة غير المأهولة، تبعث بإشارة واضحة إلى الفاعلين الإقليميين بأن هامش المفاجأة العملياتية يتقلص.
وبمعنى آخر، لا يتعلق الأمر بعرض القوة بقدر ما يتعلق بإظهار القدرة على" إدارة التعقيد"، وهو العنصر الحاسم في الحروب الحديثة.
وهذه الرسالة، تبعاً لمعتضد، تعيد تعريف ميزان القوة من مجرد امتلاك العتاد إلى القدرة على دمجه وتشغيله بفعالية عالية.
ولم يفت المحلل نفسه الإشارة إلى بُعد مرتبط بإعادة تشكيل العقيدة العسكرية نفسها، فـ" الأسد الأفريقي" لم يعد فقط مساحة للتدريب، بل مختبر لتطوير المفاهيم العملياتية، إذ يجري اختبار نماذج جديدة للقيادة اللامركزية واتخاذ القرار المدعوم بالبيانات والتفاعل مع بيئات قتالية هجينة.
ومضى معتضد قائلاً إن" هذا البعد يعكس تحولاً أعمق من جيوش تقاتل وفق نماذج تقليدية، إلى جيوش تتكيف مع بيئة استراتيجية سريعة التحول"، متابعاً أن" المغرب يرسخ موقعه ليس فقط كمشارك، بل كمساهم في صياغة هذه التحولات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك