ثمة رجال لا يعبرون الحياة كعابر سبيل، بل يتركون فيها دروبًا من نور، وعلامات تشير إلى أن الطريق إلى الله لا يمر حتمًا عبر دهاليز الجماعات، بل عبر بوابة الصدق مع النفس.
كان مختار نوح -رحمه الله- واحدًا من أولئك الذين أدركوا مبكرًا أن الإيمان «حالة»، والتنظيم «قيد»، وأن الروح حين تشتاق إلى باريها، لا بد لها من فضاء أرحب من شعارات الجماعة، وأوسع من جدران السمع والطاعة.
رحل مختار، وبقيت حكايته دستورًا لكل من أراد أن يحفظ دينه من دنس السياسة، وضميره من عسف التنظيم.
لم يكن مختار نوح رجلًا عاديًا نعرفه من انتماء، ولا صوتًا يُختزل فى تنظيم، ولا سيرة تُختصر فى كلمات، بل كان روحًا أوسع من كل إطار، وعقلًا يأبى أن يُحبس فى قفص مهما بدا لامعًا أو مُزينًا بالمقدسات.
اقترب من جماعة الإخوان المسلمين منذ النصف الثاني من السبعينات، حيث تعرف على شيوخها القدماء، مثل عبدالمتعال الجبري، ولكنه فى ذات الوقت كان قريبًا من الأطياف الأخرى من غير الإخوان، فكان مقربًا من الشيخ عبداللطيف المشتهري والدكتور سليمان ربيع والشيخ عبدالحليم محمود، شيخ الجامع الأزهر.
ثم جاء القدر المحتوم، والإنسان يختار قدره، فانضم إلى الإخوان عام 1979 وهو فى الخامسة والعشرين من عمره، بعد أن تعرّف على المرشد عمر التلمساني، فسحره بحلو حديثه وبساطته، وحين دخل مختار هذا «المعبد» لم يخلع نفسه عند الباب، ولم يسلّم مفاتيح روحه لسدنة التنظيم، بل ظل كما هو عاشقًا للفن، يأنس إلى شجن العود، يتذوق المقامات الموسيقية كما يتذوق معاني البيان.
كان شاعرًا يرى فى الجمال طريقًا إلى الإيمان، ومؤمنًا بأن الفن ليس ترفًا، بل هو «معراج» لترقية الإنسان.
كان مختار يمارس ما يؤمن به، لا ما يُملى عليه.
وفى زمن اختبأ فيه الكثيرون خلف متاريس الشعارات، انطلق هو إلى الميدان الحقيقي، ميدان الحريات وحقوق الإنسان.
ترافع عن المظلومين بلا أتعاب، وكأنما كان يرى فى «العدالة» نسكًا يتعبد به، لا مهنة يتكسب منها.
وحين ولج ردهات نقابة المحامين، لم يكن للإخوان فيها ظل يُذكر، فصنع لهم حضورًا بجهده، وأقام لهم كيانًا بعرقه، حتى صاروا «رقمًا» صعبًا بعد أن كانوا نسيًا منسيًا.
لكنه، ولكنهم لم يحفظوا له هذا، فكيف يحفظونه وهم أهل غدر وجحود.
غير أن الأسئلة الكبرى لا تقبل التأجيل، فحين رأى الأخطاء تتراكم، والخطايا تُبرَّر، والقرارات تمس ثوابت الوطن قبل أن تمس مصالح التنظيم، أدرك أن «الإصلاح من الداخل» قد يكون وهمًا جميلًا، لكنه سراب لا يروي ظمأ الباحث عن الحق.
ولكن السجن عاجله قبل أن يتخذ أي قرار يفصل بينه وبين الجماعة، ويجعل بينهما مفارقة، ففي عام 1999 تم تقديمه للمحاكمة فى قضية النقابات المهنية، فلبث فى السجن بضع سنين… وكان قبلها منذ بداية الثمانينات قد تعرض للحبس أكثر من مرة، كان حينها كعادته يمارس ما يعتقد أنه حق، والحق فى قلب الإنسان يتغير بتغير معارفه، الكون كله يتغير ويبقى الله الصمد الذي لا يتغير.
وكان الأمر الفيصلي الذي غفل عنه من كتبوا عن سبب خروجه من الإخوان، وكلهم كانوا فى ظلام جهلهم يعمهون، فبعد خروجه من السجن عام 2002، قام سعد الدين إبراهيم، مدير مركز ابن خلدون، بلعب دور الوساطة بين الإخوان وأجهزة مخابرات غربية، وكان يجب أن تكون البداية دبلوماسية اتخذت شعار تقريب العلاقة بين الإخوان والأوروبيين، والإخوان ليسوا دولة، ولكنهم عاشوا على حلم أن يكونوا دولة، فتم ترتيب لقاء فى النادي السويسري فى مايو 2002، حضره إيان بوج، رئيس بعثة المفوضية الأوروبية فى القاهرة حينذاك، وسفراء البرتغال والسويد وأيرلندا ونيوزيلندا.
ومن الإخوان حضر عصام العريان ومحمد مرسي ومحمد عبدالقدوس ومحمد حبيب، ودار الحوار حول: ماذا تريدون منا حتى نصل للحكم؟كان من المفترض أن يحضر مختار نوح، فقد ألح عليه الهضيبي ليحضر، ولكنه رفض وقال له: كيف نقبل أن نصل للحكم فوق دبابة أمريكية أو أوروبية؟ !رأى مختار أن هذا خروج عن الوطنية لا يحتمل التأويل، واختراق لا يقبل التجميل… فكان أن كتب إلى مأمون الهضيبي معتذرًا عن الاستمرار فى الجماعة، ولكن الهضيبي ترجاه أن يتمهل، وكأن الزمن كفيل بغسل ما علق بالثوب من سواد، ثم جاءت «اللحظة الكاشفة» فى حواره الصادق مع الصحفي عبدالرحيم علي، حين جهر بكلمة الحق: «إن الكفاءة والنزاهة مقدمتان على الانتماء، وسأختار فى الانتخابات النيابية الأصلح للوطن ولو كان من خارج الجماعة أو من الحزب الوطني».
كانت تلك الكلمات فى أعراف التنظيمات المغلقة وعلى وجه الخصوص الإخوان «ردةً» لا تُغتفر، وجريمة تستوجب «الحد» التنظيمي.
فاستُدعي للتحقيق، لا ليشهد على انحراف وطني رصده فى واقعة النادي السويسري، بل ليُحاسَب على «صدق» فاه به.
وهناك، تحت أضواء التحقيق الشاحبة، أدرك أن المسألة لم تعد خلافًا فى الرأي، بل صراعًا وجوديًا بين «ضمير حر» ومنطق يخشى الحرية كما يخشى الموت.
والغول الذي يجلس فى صدارة التنظيم لا يكتفي بالتهام عقول الإخوان وتشويه قلوبهم، ولكنه يبحث عن الأحرار ليقتلهم معنويًا ببطء رويدًا رويدًا، ثم يأكل لحومهم أمواتًا، فأصدر قراره بسحب ملف المواقع النقابية التي صنعها بجهده متهمًا إياه بجريمة أنه: «صاحب كاريزما وباحث عن الزعامة»، فنُزع عنه كل منصب، فاختار هو أن يحتفظ بما هو أثمن وأبقى: «نفسه الأبية».
قالها والصدق يملأ فمه: «أنا مستقيل».
لم تنتهِ الحكاية عند حدود الاستقالة؛ فبمجرد خروجه، شُنت عليه «حرب التشويه»، وكأن الخروج من الصف خطيئة أبدية، وكأن الصدق إذا جاء بعد لحظة تأمل وبحث صار جرمًا مضاعفًا.
ومع ذلك، ترفع مختار عن الصغائر، ولم ينحدر إلى درك الخصومة، ولم يبادل الإساءة بمثلها، بل التزم صراطًا مستقيمًا، ولم يتحدث عنهم شرًا أو خيرًا، وحين أصيب بأزمة قلبية عام 2004 استلزمت أن يُجري عملية قلب مفتوح، أصدروا أوامرهم لكل تلاميذه من الإخوان ورفاق دربه: ممنوع زيارته أو حتى مكالمته هاتفيًا، وحين رشح نفسه نقيبًا لمحامي القاهرة وقفوا ضده بكل ضراوة، وأصبح الذي كان يسبح بحمده بالأمس، يلعن صحبته اليوم، وكان جرمه أنه يقول الحقيقة كما رآها، مجردة من الهوى.
ومع ذلك ظل مختار كما خلقه الله، حرًا.
وربما كان هذا هو ذنبه الوحيد فى عالم العبيد.
وحين رحل، لم تهدأ المعركة، بل حاول البعض تمديد حبال الحقد إلى ما بعد الموت؛ لكن الحقيقة التي عاش لأجلها وقبض عليها كالجمر، لا تموت برحيل الأجساد.
لقد كانت رحلة مختار نوح درسًا بليغًا فى فقه المواقف، أن الانتماء الحقيقي لا يكون لتنظيم أو حزب، بل لقيمة ومبدأ.
وأن الإنسان قد يدخل «الجماعة» باحثًا عن معنى، لكنه إن ظل وفيًا لضميره، فلا بد أن يخرج منها يومًا باحثًا عن الحقيقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك