في واحدة من أبرز محاولات إعادة التفكير بعلاقة السينما بالمكان، يختار مهرجان جرش السينمائي أن يفتتح دورته الأولى في جبل القلعة، حيث لا يُستخدم الموقع كخلفية بصرية فقط، بل كجزء من التجربة نفسها.
طبيعة المكان المفتوح، وتاريخه المتراكم، يضيفان بعدا مختلفا لفعل المشاهدة، ويضعان الجمهور في حالة تفاعل مع محيط العرض، بدل الاكتفاء بعلاقة تقليدية مع الشاشة.
هذا التوجه يعكس رغبة واضحة في تقديم تجربة مشاهدة ترتبط بالسياق الجغرافي والثقافي، وتفتح المجال أمام قراءة الفيلم ضمن فضاء أوسع من حدود القاعة المغلقة.
الفيلم الغنائي.
اختيار يؤسس لهوية الدورة الأولىيعتمد المهرجان على فكرة التخصص، من خلال اختيار ثيمة محددة لكل دورة، وقد جاء اختيار الفيلم الغنائي في هذه الدورة بوصفه مدخلا لربط السينما بالموسيقا، وهي إحدى ركائز هوية مهرجان جرش.
هذا النوع السينمائي لا يُقدَّم هنا كتصنيف تقليدي، بل كحقل فني يقوم على تداخل عناصر متعددة، حيث تتحول الموسيقا إلى جزء من البناء السردي.
يقول المدير التنفيذي لمهرجان جرش للثقافة والفنون، أيمن سماوي" إن المهرجان يقوم على اختيار ثيمة سينمائية محددة في كل دورة، تُبنى حولها البرمجة والعروض والأنشطة المصاحبة"، في إشارة إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على العنوان، بل يمتد إلى كامل بنية المهرجان وبرنامجه.
ويفتح المهرجان باب المشاركة أمام مجموعة واسعة من الأنماط السينمائية، تشمل الأفلام الروائية الطويلة، والوثائقية، والأفلام القصيرة، وأفلام التحريك.
هذا التنوع يسمح باستقبال تجارب إنتاجية مختلفة من حيث الأسلوب واللغة، مع الحفاظ على إطار موحد تنظمه الثيمة المختارة.
كما لا يفرض المهرجان قيودا صارمة على تاريخ عرض الفيلم، باستثناء الأعمال التي عرضت تجاريا أو عبر المنصات الرقمية، وهو ما يحافظ على قيمة العرض ضمن سياق المهرجان، ويمنح الجمهور فرصة مشاهدة أعمال لم تأخذ مسارها التجاري بعد.
منصة دولية.
توسيع الحضور وبناء شبكة مهنيةمنذ انطلاقه، يطرح المهرجان نفسه كحدث منفتح على المشاركات الدولية، مع هدف واضح يتمثل في بناء شبكة علاقات مهنية تتجاوز الحدود المحلية.
هذا التوجه لا يرتبط فقط باستقطاب أفلام من الخارج، بل بخلق بيئة تتيح التفاعل بين صناع الأفلام من خلفيات مختلفة.
ويشير سماوي إلى أن هذا التوجه يعكس سعيا لتقديم" سينما مختلفة قائمة على التخصص والوضوح في البرمجة"، بما يسهم في تعزيز حضور المهرجان ضمن خريطة الفعاليات السينمائية في المنطقة.
دعم الإنتاج الأردني.
تمويل مباشر ومرافقة مهنيةبالتوازي مع البعد الدولي، يضع المهرجان دعم السينما الأردنية ضمن أولوياته، من خلال إطلاق برنامج لإنتاج ثلاثة أفلام قصيرة بتمويل يتراوح بين 5 و7 آلاف دينار لكل مشروع.
لا يقتصر الدعم على الجانب المالي، بل يمتد إلى الإشراف الفني ومتابعة مراحل التطوير والتنفيذ.
ويركز البرنامج على المشاريع التي تمتلك رؤية واضحة، مع إعطاء اهتمام خاص للأعمال التي توظف الموسيقا ضمن بنيتها.
ووفق بيان إدارة المهرجان، يهدف هذا البرنامج إلى" تمكين الأصوات الإبداعية الشابة وتطوير مشاريع نوعية"، ما يعكس توجها نحو الاستثمار في الجيل الجديد من صناع الأفلام.
آليات التقديم.
شروط تقنية وتنظيم عبر منصة دوليةيعتمد المهرجان منصة" FilmFreeway" لاستقبال الطلبات، وهي منصة معتمدة في عدد كبير من المهرجانات الدولية، ما يسهل عملية التقديم من مختلف الدول.
تتضمن الشروط تقديم نسخة عرض رقمية عالية الجودة، إلى جانب ترجمة إنجليزية للأفلام غير الناطقة بها، ومجموعة من المواد التعريفية، مثل الملصق والصور والسير الذاتية.
وقد حدد 25 أيار (مايو) الحالي موعدا نهائيا لاستقبال الطلبات، على أن يتم إعلان النتائج قبل بداية شهر تموز (يوليو)، في إطار جدول زمني ينسجم مع موعد انطلاق المهرجان.
بينما تعتمد عملية تقييم الأفلام على مجموعة من المعايير الفنية التي تتناسب مع طبيعة الفيلم الغنائي، حيث يتم التركيز على جودة الإخراج، وقوة الرؤية البصرية، ومدى توظيف الموسيقا ضمن البناء السردي.
هذه المعايير تعكس فهما لطبيعة هذا النوع السينمائي، الذي يقوم على التفاعل بين الصورة والصوت، وليس على عنصر منفصل.
وتضم لجنة التحكيم مختصين من خلفيات دولية، ما يضمن تنوعا في المقاربات النقدية، ويمنح عملية التقييم طابعا مهنيا متوازنا.
العروض والبرنامج الموازي.
من المشاهدة إلى التفاعل المهنيتقام العروض في أكثر من موقع، من بينها جبل القلعة والمركز الثقافي الملكي، ضمن برنامج مفتوح للجمهور سيتم تنظيمه عبر نظام تذاكر يعلن عنه لاحقا.
وإلى جانب العروض، يقدم المهرجان برنامجا مهنيا يتضمن سوق مشاريع، وجلسات عرض للأفكار (Pitching)، وورش تطوير، ولقاءات تجمع صناع الأفلام مع منتجين ومبرمجين.
هذا البرنامج لا يتاح بشكل مفتوح، بل يتم عبر اختيار المشاركين، بما يتناسب مع طبيعته التخصصية، ويحول المهرجان إلى مساحة عمل وتبادل خبرات، وليس مجرد منصة عرض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك