مقال: الشيخ إبراهيم بن خليفة آل خليفةالحرب العبثية التي اندلع احداثها في الآونة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ولا زالت فصولها تترى ليست شرا محضا أصاب أهل الخليج وإنما يكمن في ثنايا الشر خير كثير.
فبقدر ما ألحقته من أضرار بمنطقة الخليج بقدر ما تحتوي على دروس وعبر يمكن أن يستفاد منها في التخطيط للمستقبل، القريب والبعيد على حد سواء.
لم تكن هذه الحرب وليدة اللحظة وإنما كان أطرافها وفق ما تشير إليه ظروف الحال يستعدون لها منذ زمن طويل.
الولايات المتحدة وإسرائيل ركزتا على جمع المعلومات وحشد السلاح، وإيران اختارت تطوير العدة والعتاد مع إنشاء أذرع عسكرية في عدد من الدول العربية فضلا عن تشكيل خلايا نائمة في عدد آخر منها وخاصة في دول الخليج.
ولذلك ما ان وقعت الواقعة حتى اغتيل على الفور الصفين الأول والثاني من قيادات إيران مع مجموعة من علماء الذرة والصواريخ ودمرت البنية التحتية العسكرية والمدنية على حد سواء.
وفي المقابل، ردت إيران على الهجوم عليها، للغرابة والدهشة، بضرب البنى التحتية المدنية في دول الخليج لغير ما سبب أو لسبب غير مفهوم رغم اعلان دول الخليج حيادها قبل نشوب الحرب والتعهد بعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في العمليات العسكرية.
بل وقامت دول الخليج، أكثر من ذلك، بالوساطة بين أطراف الحرب للحيلولة دون وقوعها ومع ذلك لم تسلم من الأذى.
فحسب التقارير المنشورة كانت إيران توجه ثمانية من كل عشرة صواريخ ومسيرات إلى دول الخليج واثنتين فقط منها إلى إسرائيل وهو ما يشير إلى أن تدمير دول الخليج كان مقصودا لذاته كواحد من أهداف إيران.
ورغم التدمير الممنهج للبنى التحتية والنوايا المبيتة من جانب إيران وما كشفت عنه تطورات الحرب كان موقف بلاد الخليج من مجريات الحرب يتسم بالنضج وتقدير المسئولية بفضل حكمة حكام هذه البلاد وما حباهم به الله من بعد النظر ووضوح الهدف.
لم يلتقطوا الطعم ولم يستدرجوا إلى حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل واكتفوا برد الاعتداء باقتدار بسواعد أبنائهم الأوفياء واستطاعوا بفضل امكانياتهم الوطنية أن يتعاملوا بمهارة وكفاءة عاليتين مع الصواريخ والمسيرات التي وجهت إليهم قبل أن تسقط على الأرض مما قلل إلى حد كبير من الأضرار والخسائر التي كان من الممكن أن تحدث لو لم يتم اسقاط هذه الصواريخ والمسيرات.
وبفضل النجاح في تحاشي الانزلاق إلى أتون الحرب وفي تدنية أضرار الاعتداءات الإيرانية المبيتة استطاع أهل الخليج أن يحافظوا على ما سبق أن بنوه في بلادهم خلال عشرات السنين التي مضت.
فمنذ أن حصلت هذه البلاد على الاستقلال في بداية السبعينات حافظوا على موارد بلادهم ولم يبددوها في حروب خاسرة ووجهوها بأكملها لبناء مقومات الدولة الوطنية الحديثة التي تقوم على فكرة السيادة في علاقتها مع العالم الخارجي وعلى فكرة المواطنة في علاقتها بمواطنيها.
فقد أفلح أهل الخليج في تطوير سلطات الدولة الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفق أحدث النظم العالمية وأردفوا استكمال هذه الأجهزة بإصدار دساتير حديثة وجيدة الإعداد تتضمن عقدا اجتماعيا ينظم علاقة الدولة بالفرد من حيث الحقوق والواجبات وعلاقة سلطات الدولة الثلاث مع بعضها البعض من حيث الاختصاص.
وحرص أهل الخليج على أن يقوم العقد الاجتماعي على التراضي الجمعي الذي يحقق التوازن بين مصالح اطرافه، أي التوازن الرأسي بين الدولة والفرد والتوازن الأفقي بين سلطات الدولة الثلاث.
وتحت عباءة الدساتير الحديثة صدرت مجموعات القوانين التي تفصل حقوق الأفراد وواجباتهم في مواجهة الدولة (فروع القانون العام) وحقوق الأفراد في مواجهة بعضهم البعض (فروع القانون الخاص).
وتتولى السلطة التشريعية سن هذه القوانين لتنفذها السلطة التنفيذية وتراقب السلطة القضائية تطبيقها.
وكان من شأن اكتمال بناء مقومات الدولة الوطنية الحديثة بفضل الجهود الجادة والمخلصة التي بذلها حكام هذه البلاد أن قطعت هذه البلاد شوطا طويلا على طريق التقدم والازدهار وارتقت خلال فترة وجيزة إلى مصاف الدول المتقدمة.
ولم ينس حكام الخليج في زخم عمليات البناء الدستوري وفي خضم الجهود التنموية أن يضمنوا توزيع ثمار التنمية على كل فئات الشعب بالعدل والقسطاس مما جعلهم يتمتعون بمستوى عال من المعيشة يضارع مثيله في أكثر دول العالم تقدما.
وكان لهم بعد ذلك كله وبفضل ذلك كله أن يشعروا بالفخر لانتمائهم إلى هذه البلاد وأن يدينوا لها بالفضل ومن ثم بالولاء الكامل.
وإذا كان للحرب القائمة حاليا بين أمريكا وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى من فوائد فإن من هذه الفوائد أنها كشفت الغطاء، ضمن ما كشفت، عن قلة من أهل الخليج ومن المقيمين فيها لا يستحقون شرف الانتماء إلى هذه البلاد أو نعمة العيش فيها.
إذ لم يقدروا نعم الأمن والسلام والرخاء التي يرفلون فيها بفضل حكمة حكامهم وإنما عملوا للأسف على محاربتها وهدمها من الداخل لصالح دول أجنبية لا يسعدها أن ترى شعب الخليج في وضع أفضل منها.
وكان مما يدمي القلب حقيقة أن يكون ولاء هؤلاء القوم لغير بلادهم التي وفرت لهم سبل العيش الكريم.
كانت هذه الفئة الباغية ضمن الخلايا النائمة التي زرعتها إيران في دول الخليج من أجل تحقيق هدف تدميرها من الداخل.
فوفقا لما كشفت عنه التحقيقات حرصت هذه الخلايا على إمداد الحرس الثوري الإيراني قبل وأثناء قيام الحرب بما جمعته من معلومات عن البنى التحتية في دول الخليج مما ساعده على إنشاء بنك للأهداف الممكنة في هذه البلاد، كما أمدوه بإحداثيات كل هدف، وساعدوه فضلا عن كل ذلك في توجيه الصواريخ والمسيرات إلى الأماكن المستهدفة.
هذه الخلايا التي كانت نائمة قبل الحرب ثم نشطت أثناءها كانت تضم خليطا من الذين يعيشون على أرض الخليج وينعمون بخيره سواء من بنيه أو من الوافدين إليه.
وما ارتكبته هذه الفئة الباغية في حق الوطن يشكل في مضمونه جريمة الخيانة العظمى التي تقرر لها الدساتير المختلفة في كل بلاد العالم أشد العقوبات.
وتتدرج هذه العقوبات من الإعدام في الحد الأقصى إلى التجريد من الجنسية في الحد الأدنى مرورا بالسجن وكذلك الأشغال الشاقة لفترات متفاوتة يحددها القانون ويقدرها القضاء العادل.
ولعل ما يخفف من وطأة صدمة الخيانة أن ما ارتكبته هذه الفئة الضالة ليس شرا محضا لحق ببلاد الخليج وإنما يكمن فيه الكثير من أوجه الخير.
فكشف الغطاء عن هذه الفئة الضالة يحتم ضرورة القيام بعملية فرز شاملة ودقيقة لقاطني منطقة الخليج لمعرفة الصالح من الطالح منهم ومكافأة من أحسن عملا ودافع عن الوطن واستبعاد من أضمر الخيانة وأساء إلى وطنه.
وثمة درس آخر يمكن الاستفادة منه من صدمة الخيانة وهو أن نجاح أهل هذه البلاد في صد الهجوم عليهم وتدنية أضراره يحتم ضرورة الاعتماد على الذات وتطوير قدرات الوطن الدفاعية تفعيلا للآية الكريمة «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا».
حفظ الله منطقة الخليج من كل سوء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك