لطالما كانت الانتخابات البلدية في بريطانيا تدور حول عروض الأحزاب والمرشحين لتحسين الخدمات العامة وتلبية حاجات السكان في مناطقهم، لكن هذه الدورة من الاستحقاق تتجاوز العناوين المحلية التقليدية، وتنذر بتغير جذري في المشهد السياسي الداخلي، وفق استطلاعات الرأي التي تبشر بخريطة جديدة للمجالس المحلية على امتداد البلاد.
صناديق الاقتراع تفتح أبوابها غداً من الساعة السابعة صباحاً وحتى العاشرة مساء، في أجزاء كثيرة من إنجلترا، حيث تجري المنافسة على أكثر من 5000 مقعد بلدي في 136 مجلساً محلياً، إضافة إلى 6 مناصب شاغرة لرؤساء البلديات، لتعلن النتائج رسمياً صباح الثامن من مايو (أيار) الجاري، وتدخل البلاد حقبة جديدة عنوانها" ريفورم".
تتوقع استطلاعات الرأي نصراً مؤزراً لحزب" ريفورم" بقيادة نايجل فاراج، فتتنبأ الأرقام بفوز الحزب الشعبوي بأكثر من 1350 مقعداً جديداً مقارنة بأقل من 5 مقاعد يملكها اليوم، وهذا الفوز الكبير للتجمع اليميني المتشدد الذي بات الأكبر في البلاد من ناحية عدد الأعضاء، سوف يكون على حساب الحزبين الرئيسيين" العمال" و" المحافظين".
ينتمي إلى" ريفورم" اليوم أكثر من 270 ألف شخص، وزعيمه فاراج، السياسي البريطاني المتطرف يمينياً، دخل البرلمان للمرة الأولى مع ثلاثة نواب عام 2024، وهو اليوم يعمل مع مجموعة مكونة من 7 أعضاء، بعضهم انشق عن" المحافظين" الذي كان حتى الأمس القريب صوت اليمين الأقوى، والحزب الأكثر تولياً للسلطة في البلاد.
ورفع" ريفورم" عناوين ترشيد الإنفاق في المجالس المحلية، كذلك يتبنى سياسات معادية للهجرة تخدم هؤلاء الرافضين لوجود فنادق اللاجئين في مناطقهم، والمطالبين بضبط الحدود ووقف تدفق الأجانب إلى البلاد، كذلك ينادي بالعودة إلى" الهوية الوطنية، والتمسك بالقيم البريطانية التي يعتقد الحزب أن المهاجرين لا يتفقون معها ولا يتبعونها.
استقطب" ريفورم" بعناوينه اليمين بمختلف درجاته، وتصاعد خطابه في البلاد خلق استقطاباً حاداً بين مؤيد ورافض، وصنع توجهاً يسارياً مضاداً له على امتداد المملكة المتحدة استثمر فيه على نحو كبير حزب الخضر، الذي تتوقع استطلاعات الرأي أن يكون الفائز الثاني في الانتخابات البلدية الجديدة، فيزيد رصيده بأكثر من 550 مقعداً.
قد يهيمن" الخضر" على نحو 700 مقعد بلدي، وهذا النصر سيعزز من قوة الحزب وشعبية زعيمه زاك بولانسكي الذي لحقت به فضيحة قبل الانتخابات ببضعة أيام، فقد كشف تحقيق صحافي أنه ادعى العمل كناطق رسمي باسم منظمة" الصليب الأحمر"، لجمع التبرعات أثناء منافسته على منصب نائب رئيس الحزب في عام 2020.
لن يعرف مدى تأثير هذه الفضيحة التي اعتذر عنها بولانسكي، على مسار انتخابات البلدية قبل فرز الأصوات، وكذلك أثر الاتهامات التي طاولته أخيراً بتأجيج الكراهية في البلاد بعدما أعاد نشر تغريدة بشأن طريقة اعتقال الشرطة لمنفذ عملية طعن يهوديين في منطقة" غولدرز غرين" شمال العاصة لندن في 29 أبريل (نيسان) الماضي.
المتهم في" غولدرز غرين" بريطاني مسلم من أصل صومالي يدعى عيسى سليمان، وعلاقة" الخضر" بمسلمي المملكة المتحدة تطورت كثيراً منذ وصول حزب العمال إلى السلطة عام 2024، وفشل الحكومة التي يقودها كير ستارمر، بإحداث تغيرات رفعها" العمال" في حملته الانتخابية البرلمانية على صعد اقتصادية وسياسية واجتماعية.
تبنى الخضر سياسات الانفتاح على المهاجرين واللاجئين، كذلك أدان الحرب الإسرائيلية على غزة واعتبرها إبادة، وتبنى قانوناً يصنف سلوك حكومة تل أبيب كممارسات عنصرية بحق الفلسطينيين، إضافة إلى أنه متمسك بالحياد الصفري دعماً للبيئة، ووعد بنظام ضرائب جديد يدعم الفقراء ضد الأثرياء، وتعهد بتأميم شركات الطاقة والمياه.
وهذه الوعود جعلت اليساريين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والاجتماعية والثقافية يتحلقون حول الحزب الذي زاد عدد أعضائه بأكثر من 150 ألف شخص في غضون أشهر، فارتفع من 70 ألف عضو إلى 220 ألفاً، ليحل ثالثاً من ناحية حجم قاعدته الشعبية بعد" ريفورم" و" العمال" الذي هبط عدد المنتسبين إليه بشكل كبير منذ 2021.
وتحولت قضية فلسطين إلى عنوان في الانتخابات البلدية على رغم أن الاستحقاق عادة يختص بالقضايا المحلية، وما جعل القضية حاضرة ليس فقط تبني" الخضر" لها، وإنما جملة عوامل أبقتها شأناً داخلياً متجدداً ومتفاعلاً، منذ اشتعال الحرب على قطاع غزة رداً على هجوم حركة" حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.
سواء" دعماً لفلسطين" أو تأييداً لغيرها من العناوين التي يتبناها" الخضر"، يتوقع أن تشهد مناطق المسلمين في بريطانيا حشداً لمصلحة الحزب، وللمرشحين المستقلين أو مرشحي أحزاب أخرى تميل إلى طروحاته اليسارية، ويخشى في هذا التحشيد من ظاهرة تعرف بـ" التصويت العائلي"، ولا تتفق مع المعايير الديمقراطية المتبعة في الاقتراع.
و" التصويت العائلي" ليس حكراً على الجالية، لكنه ظهر خلال فبراير (شباط) الماضي في منطقة يشكل المسلمون نحو 30 في المئة من سكانها، وشهدت انتخابات فرعية لاختيار بديل لنائب برلماني عمالي استقال من منصبه، فتوجهت عائلات مسلمة بكامل أفرادها إلى مراكز الاقتراع من أجل التصويت لمرشحة" الخضر" هانا سبنسر.
أصبح التصويت العائلي، والذي قد يشمل توجيه الأزواج لزوجاتهم وأولادهم لاختيار المرشح والحزب، ممارسة غير قانونية في بريطانيا بموجب قانون سرية الاقتراع لعام 2023، وأياً كانت حقيقة تأثيره بمنطقة" غورتون ودينتون" التي فازت فيها سبنسر، فالنتيجة هي خسارة الحزب الحاكم لانتخابات كان شعارها" معاقبة العمال على غزة".
و" معاقبة العمال" بسبب غزة ليست أمراً جديداً، فبدأت أولاً في انتخابات فرعية أجريت خلال فبراير 2024 وفاز فيها النائب السابق جورج غلوي مستخدماً ذات الشعار، ثم ظهرت في الاستحقاق البرلماني في 4 يوليو (تموز) من العام ذاته، وعبر من خلالها إلى مجلس العموم عدد من النواب المستقلين انشقوا عن الحزب الأحمر حينها.
لم تؤثر دعوات" العقاب نصرة لغزة" في حزب العمال خلال الانتخابات البرلمانية الماضية، فقد حصد أكثرية مطلقة لم يحققها منذ عقود، لكن في الاستحقاق البلدي الجديد يمكن أن تشكل هذه المسألة فارقاً لأن الحزب الحاكم فقد كثيراً من رصيده الشعبي بسبب عثرات وقعت فيها الحكومة ورئيسها ستارمر منذ توليها السلطة قبل 31 شهراً.
تتوقع استطلاعات الرأي خسارة فادحة للعمال لم يعرف مثلها في الانتخابات البلدية منذ عقود طويلة، إذ يمكن أن يفقد الحزب نحو 1500 مقعد من أصل 2500 بحوزته اليوم، ومثل هذه الهزيمة يتوقع أن يتحملها كير ستارمر وحده، فتكون بمثابة" القشة التي قصمت ظهر البعير"، ويفقد بسببها منصبه كزعيم للحزب الحاكم ورئيساً للحكومة.
نجا ستارمر خلال الأشهر الماضية من الإقالة على ضوء مشكلات عدة كان آخرها فضيحة اختياره بيتر ماندلسون، الصديق السابق للمجرم الأميركي جيفري إبستين، سفيراً للندن في واشنطن، على رغم فشله في عملية" التدقيق الأمني" التي يخضع لها البريطانيون المؤهلون لشغل مناصب رفيعة وحساسة في الدولة أو مهام تمثيلها في الخارج.
تقول تقارير صحافية محلية إن نواباً من العمال قرروا توظيف خسارة الانتخابات البلدية من أجل الضغط على ستارمر، ودفعه للاستقالة وإفساح المجال أمام آخر يتولى قيادة الحزب والحكومة، أما أبرز المرشحين فهم عمدة مدينة مانشستر أندي بيرنهام، والوزيران ويس ستريتنج وإيد ميليباند، وأنجيلا راينر، النائبة السابقة لستارمر.
ثمة تحذيرات ظهرت أخيراً عبر اقتصاديين ومسؤولين سابقين في الدولة، من تأثير استمرار عملية استبدال رئيس الحكومة كل بضع سنوات، لكن يبدو أن نواب" العمال" الذي تراجع تعداد أعضائه من نحو نصف مليون عام 2021 إلى 250 ألفاً اليوم، يرغبون بتكرار أخطاء" المحافظين" بين عامي 2016 و2024 في هذا الشأن.
بعد استقالة رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون عام 2016 على ضوء تصويت بريطانيا لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، تبدل رئيس الحكومة وزعيم حزب المحافظين الذي كان يقود السلطة عدة مرات في غضون 8 سنوات، فحلت تيريزا ماي خليفة لكاميرون، وبعد 3 سنوات استبدلت ببوريس جونسون، والأخير جاءت مكانه ليز تراس في عام 2022 لمدة 45 يوماً فقط، تلاها ريشي سوناك حتى يوليو 2024.
والتغيير المتكرر للزعيم كان من بين عدة أسباب قادت" المحافظين" إلى هزيمة قاسية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، أما في الانتخابات البلدية لعام 2026، فينتظر الحزب فشلاً آخر لا يقل ألماً عن ذلك الاستحقاق، حيث يتوقع له خسارة 900 مقعد بلدي في عموم المملكة المتحدة ليتبقى له 450 كرسياً بلدياً في أحسن الحالات.
لا تتعلق الخسارة هذه المرة بهوية الزعيم، فرئيسة" المحافظين" كيمي بادينوك، تتمتع اليوم بشعبية تفوق قادة الأحزاب الأخرى وفق الاستطلاعات، لكن ثقة الشارع بالحزب لم تتحسن، و" ريفورم" استحوذ على اهتمام اليمين الذي شكل القاعدة الشعبية لحزب تأسس قبل مئتي عام، وخرج من" المحافظين" أشهر القادة في بريطانيا.
" المحافظون" اليوم يجمع فقط 123 ألف عضو، ويحل خامساً في عدد الأعضاء بين الأحزاب المكونة للبرلمان، تراهن بادينوك على من تسميهم" المحاربين القدماء" للحفاظ على بلديات الحزب في بعض المناطق، ولعل" التصويت التكتيكي" يفيدها في أماكن لا يرغب قاطنوها بتسليم مجلسهم المحلي إلى شعبويين في اليمين أو اليسار.
و" التصويت التكتيكي" يعني اختيار الناخبين لمرشح لا يريدونه ولا يتبعون إلى حزبه، لمجرد أنهم لا يؤيدون فوز ممثل حزب آخر، وهذا النوع من الاقتراع يتوقع أن تستفيد منه الأحزاب التي تنافس في مناطق لا يريد أصحابها انتصار مرشحي حزب" ريفورم" على وجه التحديد، وفقاً لتقارير رصدت توجهات الرأي العام قبيل الانتخابات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك