«ألن يفحمنا بظهوره؟ » يتساءل كثر عن إمكانية ظهور البطل الأوحد، والزعيم المطلق، الرجل البرتقالي، وهم يطالعون تحول صدور الجزء الثاني من الفيلم الأمريكي الشهير «الشيطان يرتدي برادا» وهو يتحول إلى تريند.
يبدو أن الفيلم سيحكي سلسلة مغامرات جديدة في حياة «ميراندا بريستلي» رئيسة التحرير المتطلبة، ويستكمل جزءا أولا مستلهما من رواية تكون قد كتبته مساعدة سابقة لرئيسة تحرير مجلة «فوغ» آنا وينتور، محولة السيدة التي تواصل رسم وجه عالم الموضة إلى أسطورة في السيطرة، على أعتاب عالم يسقط وآخر يبنى بهدوء، تختفي فيه الصحافة الورقية تدريجيا، ويتضاعف فيه الاستهلاك بشكل هائل، يقف البشر غير آبهين من اللا معنى، الذي يحاوط تفاصيل حياتهم، منتشين بلوك قصة قديمة، لانقطاع ابداع محتمل، أو لأن منطق الاستهلاك الجديد لم يعد يؤمن بالمغامرة، ويفضل الاستثمار في «الأساطير».
لو قدرت مساءلة الذاكرة الجمعية الفرنسية عن أكثر الأساطير تداولا في التاريخ الشعبي للبلد لقيل «امنحوهم خبز بريوش» (أو حلوى ماكارون في روايات أخرى)، القول الذي ينسب إلى ماري أنطوانيت، زوجة لويس السادس عشر، ردها على غضب المزارعين الذين صاروا على أعتاب القصر بعد أن شقوا في إيجاد خبز، رغم تأكيد المصادر أن الكلام لم يصدر عن «دوفينة فرنسا» وأنه محض «صورة أدبية» تكون من إبداع جون جاك روسو، في غياب توثيق لها، إلا أنها تبقى من أكثر الحكايات حضورا حين الحديث عن الثورة الفرنسية نهاية القرن الثامن عشر.
تعود الجملة إلى الأذهان هذه الأيام مع دخول قرار تعميم سعر الوجبة الرمزي لكل طلبة فرنسا، دون استثناء مع بداية الشهر الجاري، بعد أن كان مخصصا لفئات بعينها، وبعد سنوات من الضغط من مؤسسات المجتمع المدني عامة والتقارير المتزايدة عن الهشاشة والفقر التي أصبح يعيشها طيف واسع من طلبة الجامعات الفرنسية.
الخبر لقي استحسانا لدى فئات واسعة، ضجت به مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا وأنه يدخل حيز التنفيذ أياما بعد «عيد العمال» (الأول من أيار/ مايو) عميق الحضور في البلد، والذي تحاول الكثير من القوى اليمينية التحايل على رمزيته من خلال الدفع إلى «فك التقييد» عن العطلة مدفوعة الأجر لصالح كل العمال دون استثناء (مع ضمان حد أدنى للخدمة العمومية)، والنقاشات المحمومة التي تشهدها الساحة السياسية والجامعات حول تحرير رسوم التسجيل في مؤسسات التعليم العالي للبلد أمام الطلبة الأجانب، دعما لميزانيات المؤسسات الجامعية التي أصبحت تعيش تحديات اقتصادية حقيقية مع عجز الحكومة عن توفير تمويل تقليدي للبحث.
بدائل سبق وأن منعت تعميمها هيئات رسمية (مجلس السيناتورات)، ولكن يعود الحديث حول نجاعتها أشهرا فقط بعد هذا المنع، يقرأها كثر كأكثر أوجه المد القومي المتطرف قبحا.
مد قومي متطرف إن كان غلق الجامعات (الرمزي) أمام الأجانب أحد ملامحه، فلن يكون الوحيد بعد سلاسل فضائح تحول تجمعات ترفيهية لحملات إحماء انتخابية صامتة، لا يتردد روادها في إتيان المحظور من تحايا نازية، وتداول شعارات عنصرية، غياب بدائل معقولة خصوصا مع بداية اتضاح ملامح الاستحقاق الرئاسي القادم وبروز اسم «ميلونشون» كمرشح لائتلاف اليسار، ترشيح يخدم اليمين المتطرف أكثر مما يضره بحسب متابعين، وفرض اسم «بارديلا» كوجه للقوميين الجدد، بدعم من كبار الأثرياء كبديل أكثر معقولية لعرابته «مارين لوبان»، إذ يبدو الاستثمار في بناء سردية «المراهق» أقل تكلفة من «تطهير» تاريخ ممتد للشقراء التي لعبت دور الجوكر بمهارة لعدة نسخ في العقدين الأخيرين، سردية وإن دعمها الكثير من المال فهي تبدو أقرب لقصة «لويس السادس عشر» (آخر دوفين فعلي لفرنسا)، لخفة الجوكر الجديد التي لا تحتمل.
جوكر (أي نعم) يتميز في مناغاة السوشيل ميديا، يحاول (عرابوه الجدد) النفخ في كاريزمته السقيمة بقصة حب أقرب لفيلم هوليوودي رومانسي مع خطيبة على المقاس، سليلة عرش «الصقليتين»، قصة تثير السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتضعها في مواجهة مع وسائل الإعلام الثقيلة التي يبدو سعيها متجاوزا أمام تحولات استهلاك الأخبار في البلد.
«غليز» في قلب دبلوماسية وسائط التواصللن يشقى متابع تريندات وسائط التواصل في الجزائر في إيجاد مواضيع يحللها، أو يقرأ أحوال البلد من خلالها.
ينشغل الجزائريون من بين ما ينشغلون (والله وحده يعلم كم ينشغلون)، بعلاقات البلد الدولية، وصورته الخارجية، ويتنظمون في هذا الشأن في لجان غير مدفوعة.
هكذا تحول منشور لرئيس هيئة الترفيه السعودية، المستشار الملكي «تركي آل الشيخ» إلى حدث هام، وتحولت أغنية «يا الرايح» للكبير دحمان الحراشي، التي شاركها مع متابعيه وحدة لقياس التقارب الجزائري السعودي المستجد، والعلاقات المتوترة للبلدين مع الإمارات العربية المتحدة، ولأن التريندات لا تأتي فرادى فقد تحولت زيارة «صديقة فرنسية للجزائر» إلى حدث بين المتفاعلين.
الواقع أن الحضور الواسع للجزائر في الخطاب السياسي الفرنسي خلال الأشهر الأخيرة، حَوَل وسائل التواصل لمنصات دعاية فرنسية، ودعاية مضادة، تجاوب، شجب وتنديد بالعنصرية على الضفة الأخرى، في غياب معطيات كافية لدى المتفاعلين في كثير من الأحيان.
آخر فصول هذا التفاعل قصة الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر، والذي عادت قضيته لتثير تيارا من الجزائريين، مع إعلان ممثليه عدوله عن تقديم طعن في الحكم الصادر ضده والقاضي بسجنه سبع سنوات نظير عدم احترامه للقوانين، التي تنظم وجوده في البلد، ثم نشر رئيسة جمعية «فرنسا – الجزائر» سيغولين روايال على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي صورة معه داخل سجنه حاملا لكتاب حول الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، معطيات كثيرة يكون الجزائريون قد قرأوا فيها سعيا حثيثا من أحد وجوه الحزب الاشتراكي المهمة والمرشحة للانتخابات الرئاسية الفرنسية السابقة، لضمان عفو رئاسي عن الصحافي الفرنسي، المتهم بدعم حركات انفصالية في منطقة القبائل شمال البلاد.
خطوات السيدة، التي لا تحظى بتغطية كافية في بلدها، التي يبدو أن القوى التي تسيطر إعلامها تجد عوائد في المواجهة مع الجزائر أكثر من «السلام»، وجدت تفاعلات متضاربة بين الجزائريين عبر وسائل التواصل: «ماذا سياسية وفرنسية تلتقط صورة مع سجين داخل سجن وتقوم بنشرها؟ لو فعلتُها لسجنت»! «عن أي صداقة تتحدثون؟ جاءت لتحرر مواطنها فقط»! ، «جاءت لترفع أسهم تيارها السياسي مع اقتراب الرئاسيات في بلدها».
، «يحسب لها سعيها في إذابة الجليد»، «على الأقل هي تحترم البلد عكس الأبله الآخر (روتايوه) الذي يسعى لمعركة كسر عظم»، «ما الذي ستجنيه الجزائر في علاقتها مع حكومة بلد لم يتوقف عن البصق عليها لأشهر، من تحرير الرجل الذي يرافع لتقسيمها؟ ».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك