تكشف القمة الثلاثية الأردنية - القبرصية - اليونانية الخامسة، عن لحظة إعادة تعريف لدور الأردن، ليس فقط كوسيط أو مستضيف، بل كفاعل إقليمي يمتلك القدرة على الربط بين المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية، وعلى تقديم قضاياه السيادية، وفي مقدمتها الوصاية الهاشمية، بوصفها جزءًا من معادلة الاستقرار الإقليمي، لا مجرد عنوان رمزي ضمن بيانات مشتركة.
اضافة اعلانفلا يمكن قراءة القمة الثلاثية بمعزل عن التحول الأعمق الذي تعكسه في تموضع الأردن داخل الإقليم، بحيث لم تعد عمان تكتفي بإدارة توازناتها التقليدية، بل باتت تمارس دورًا أكثر تقدمًا يقوم على المبادرة وصياغة المسارات، مستفيدة من موقعها الجغرافي ورصيدها السياسي، لتتحول تدريجيًا إلى نقطة ارتكاز في شبكة إقليمية تتقاطع فيها المصالح والتحديات.
وهذا التحول لا يظهر فقط في استضافة القمة في عمان، ولا في انتظام هذا المسار منذ انطلاقه العام 2018، مرورًا بمحطاته في قبرص والأردن واليونان، بل في طبيعة المخرجات ذاتها، التي تعكس انتقال هذا الإطار من منصة تنسيق إلى أداة سياسية لإعادة التموضع الإقليمي.
وفي هذا السياق، يصبح حضور جلالة الملك عبدالله الثاني، إلى جانب الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، تعبيرًا عن شراكة تتجاوز البروتوكول إلى صياغة مقاربة مشتركة لإدارة مرحلة إقليمية معقدة.
وضمن هذا التحول، يبرز ملف الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، بوصفه أحد أكثر المؤشرات دلالة على إعادة ترتيب الأولويات داخل الخطاب السياسي للقمة.
فإدراج هذا الملف في موقع متقدم، مقرونًا بدعم صريح من قبرص واليونان، لا يعكس مجرد توافق دبلوماسي، بل يمثل اعترافًا أوروبيًا متقدمًا بالدور الأردني كضامن للاستقرار الديني والتاريخي في القدس.
وهذا الاعتراف، يمنح الوصاية الهاشمية بعدًا دوليًا متصاعدًا، خصوصًا في ظل محاولات إعادة تشكيل الوقائع على الأرض.
كما أن التأكيد على الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم، وضمان وصول المصلين بأمان، يخرج هذا الملف من نطاقه الرمزي، إلى صلب معادلة الأمن الإقليمي.
وبذلك، ينجح الأردن في تقديم الوصاية ليس كملف تقليدي، بل كمدخل لفهم توازنات أوسع تتقاطع فيها الهوية مع الجغرافيا والسياسة، ما يعزز موقعه كمرجعية سياسية وأخلاقية في واحدة من أكثر قضايا المنطقة حساسية.
وبموازاة ذلك، تعكس القمة إدراكًا مشتركًا لحجم التحولات التي تضرب شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث لم تعد التحديات مقتصرة على بعدها الأمني، بل امتدت إلى سلاسل التوريد والطاقة والتنافس على الممرات الحيوية.
من هنا، فإن التأكيد على تكثيف التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، يشير إلى محاولة لبناء كتلة تنسيقية قادرة على امتصاص الصدمات والتكيف مع بيئة دولية سريعة التغير.
وتتجلى هذه الرؤية في التركيز على قطاعات مترابطة تشمل التجارة والطاقة والاستثمار والثقافة، إلى جانب الغذاء والأمن المائي، حيث لم يعد التعامل معها يتم بوصفها ملفات منفصلة، بل كعناصر ضمن منظومة أمن شامل.
فالأمن المائي والغذائي، في هذا السياق، يتحولان إلى جزء من معادلة الاستقرار السياسي والاجتماعي، وليس مجرد تحديات تنموية.
أما على المستوى الاقتصادي، فتطرح القمة تصورًا يتجاوز التعاون التقليدي نحو إعادة تعريف موقع شرق المتوسط في الاقتصاد العالمي.
ففكرة تحويل المنطقة إلى مركز لربط أوروبا بالعالم العربي تعكس سعيًا لبناء جغرافيا اقتصادية جديدة، يكون فيها الأردن نقطة ارتكاز برية ولوجستية.
ويأتي التركيز على منعة سلاسل التوريد وأمن الممرات التجارية وتطوير البنية التحتية للنقل، ليؤكد أن القمة تنطلق من قراءة دقيقة للتحولات العالمية التي أعادت الاعتبار لمفهوم الأمن الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، يبرز الانفتاح على الاتحاد الأوروبي كخيار إستراتيجي، حيث يعكس البناء على مخرجات القمة الأردنية الأوروبية الأولى، توجهًا أردنيًا ممنهجًا لتعميق الشراكة مع أوروبا، ليس فقط كمصدر دعم، بل كشريك في صياغة استجابات مشتركة للتحديات الإقليمية.
أما سياسيًا، فتعيد القمة تثبيت منظومة القانون الدولي كمرجعية ناظمة، في لحظة تتعرض فيها هذه المنظومة لاختبارات متكررة.
فالتشديد على سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة، يحمل رسالة مزدوجة تجمع بين إعادة التأكيد على المبادئ والاعتراض الضمني على ممارسات تقوضها.
كما أن الدعوة إلى خفض التصعيد واستعادة الاستقرار، تعكس وعيًا بأن كلفة الأزمات لم تعد محصورة داخل حدود الدول، بل تمتد إلى الإقليم بأكمله.
وفي هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى استدامة وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران أهمية خاصة، إذ تعكس توجهًا لتحييد أحد أبرز مصادر التوتر في المنطقة، وربط الأمن الإقليمي بأمن الطاقة والتجارة العالمية، خصوصًا فيما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز.
أما في الملف اللبناني، فتظهر القمة مقاربة تجمع بين البعدين الأمني والإنساني، عبر التركيز على تثبيت وقف إطلاق النار ودعم مؤسسات الدولة، بالتوازي مع الدعوة لاستجابة إنسانية واسعة.
وهنا، يتقدم الدور الأردني بوصفه فاعلًا ميدانيًا، بحيث يتم تثمين جهوده في إيصال المساعدات وتنسيق الاستجابة الدولية، بما يعكس تحولًا من موقع التأثر بالأزمات إلى الشراكة في إدارتها.
وتبقى القضية الفلسطينية في قلب الخطاب السياسي للقمة، مع إعادة التأكيد على حل الدولتين باعتباره الخيار الوحيد القابل للاستمرار.
غير أن اللافت، هو اقتران هذا الطرح بإدانة واضحة للإجراءات الأحادية الإسرائيلية، ما يمنح الموقف بعدًا أكثر صراحة في مواجهة الوقائع التي تقوض فرص الحل السياسي.
وبشأن قطاع غزة، تعكس الدعوة إلى تطبيق المقترح الأميركي وإنهاء الأزمة الإنسانية، مقاربة تجمع بين المسار السياسي ومتطلبات الإغاثة وإعادة الإعمار، في محاولة لمنع تحول الأزمة إلى حالة ممتدة.
كما أن التأكيد على دعم وكالة الأونروا يندرج ضمن الحفاظ على أحد أعمدة الاستقرار الإنساني في المنطقة، في ظل الضغوط المتزايدة عليها.
وفي الملف السوري، تربط القمة بشكل مباشر بين استقرار سورية واستقرار الإقليم، مع دعم جهود إعادة الإعمار وتنفيذ خريطة الطريق الخاصة بجنوب سورية.
ويعكس هذا الطرح، انخراطًا متزايدًا في مقاربات الحل، بخاصة مع التحذير من تراجع الدعم للاجئين، وهي مسألة تمس الأردن بشكل مباشر، ما يفسر الإشادة بدوره في الاستضافة وتحمل الأعباء.
ولا يغيب البعد المؤسسي عن هذا المسار، بحيث يتم التأكيد على أهمية ميثاق الاتحاد الأوروبي من أجل البحر الأبيض المتوسط كإطار منظم للتعاون، بما يعكس توجهًا لتثبيت هذا التعاون ضمن هياكل طويلة الأمد.
كما أن الاتفاق على عقد القمة المقبلة في اليونان، إلى جانب التذكير بالتقدم المتحقق منذ العام 2018، يؤكد أن هذا الإطار لم يعد ظرفيًا، بل يتجه نحو ترسيخ نفسه كمنصة دائمة للتشاور والتنسيق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك