وكالة سبوتنيك - نحو عالم يرتفع فيه صوت الحوار والشراكة بعيداً من لغة الحروب والقتال... ماذا عن تفاصيل فعاليات اليوم الثاني من منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي؟ روسيا اليوم - ملياردير بلا نقود.. خطأ بنكي يضع أذربيجانيا بين أغنى أغنياء العالم! القدس العربي - “إكرام الميت دفنه”… الحركة المدنية المصرية على أبواب الحل بسبب خلافات متراكمة وكالة الأناضول - تركيا.. هجرة سمك اللؤلؤ وصيد النوارس يجذبان الزوار إلى متنزه أرجيش يني شفق العربية - كأس العالم للباركور ينطلق في إسطنبول بمشاركة 27 دولة CNN بالعربية - "أتعبثون معي؟" و "هل هذا سيرك؟".. أكثر 5 لحظات توترًا باستجواب روبيو بشأن الحرب الإيرانية أمام الكونغرس العربية نت - بعد شهر من الغموض.. العثور على جثمان طبيبة ليبية في سويسرا روسيا اليوم - الخارجية الروسية: لم نتلقّ أي بيانات جديدة من أوكرانيا حول أطفال تزعم فقدانهم Independent عربية - الخرطوم تطوي ملف نصف القبور الاضطرارية بنقل رفات 11 ألف شخص الجزيرة نت - خبير عسكري: اتفاق لبنان وإسرائيل مجرد ترتيبات أمنية ولن يُطبَّق على الأرض
عامة

تفكّك الـمجتمع العربيّ: تشخيص الأزمة وآفاق الـمعالجة

كل العرب
كل العرب منذ 4 أسابيع
1

لا يحتاج إضعاف مجتمعٍ ما إلى قرونٍ طويلةٍ من التحوّلات الجذريّة، بل قد يكفي عقدٌ أو عقدان من الزمن لإحداث تصدّعاتٍ عميقةٍ في بنيته القيميّة والاجتماعيّة. ففي غضون خمسة عشر إلى عشرين عامًا يمكن أن تتآك...

ملخص مرصد
أشار تحليل إلى تآكل تماسك المجتمع العربي خلال 15-20 عامًا، نتيجة تراجع المنظومات الأخلاقية والدينية والأساسية، ما أدى إلى انتشار العنف والفجوات الاجتماعية. أوضح أن تراجع المرجعية الدينية والأسرية والمؤسسات العامة خلق فراغًا قيميًا، بينما تحولت القيم المادية إلى غاية بدلاً من وسيلة للتنمية. حذر من أن استمرار هذه التحديات سيؤدي إلى مزيد من الاضطرابات الاجتماعية.
  • تراجع المنظومات الأخلاقية والدينية في المجتمع العربي خلال 15-20 عامًا
  • تحول القيم المادية إلى غاية بدلاً من وسيلة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية
  • ضعف المؤسسات الحديثة أدى إلى تراجع الثقة بها وفقدان الاتّجاه الاجتماعي

لا يحتاج إضعاف مجتمعٍ ما إلى قرونٍ طويلةٍ من التحوّلات الجذريّة، بل قد يكفي عقدٌ أو عقدان من الزمن لإحداث تصدّعاتٍ عميقةٍ في بنيته القيميّة والاجتماعيّة.

ففي غضون خمسة عشر إلى عشرين عامًا يمكن أن تتآكل منظوماتٌ أخلاقيّةٌ راسخة، وأن تُستبدل الـمبادئ الجامعة بأنماطٍ ثقافيّةٍ استهلاكيّةٍ سطحيّة، خصوصًا إذا نشأ خلال هذه الفترة جيلٌ كاملٌ تشكّلت ملامح وعيه ضمن شروطٍ تربويّةٍ واجتماعيّةٍ مضطربة.

إذ إنّ هذا الجيل سرعان ما يتولّى إدارة الـمؤسّسات الـمختلفة، ويعيد إنتاج أنماط السلوك والقيم الّتي تشكّل وعيه في مرحلة التكوين.

وفي هذا السّياق، شهد الـمجتمع العربيّ خلال السنوات الأخيرة مؤشّراتٍ واضحةً على تراجعٍ ملحوظٍ في درجة تماسكه البنيويّ، نتيجة تحوّلاتٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ غير مدروسةٍ في كثيرٍ من الأحيان، بعضها ناتجٌ عن ضعف الوعي الجمعيّ بطبيعة الـمخاطر الـمحدقة بالبنية الاجتماعيّة، وبعضها الآخر مرتبطٌ بتآكل الخطوط القيميّة الضابطة الّتي كانت تؤدّي دورًا مركزيًّا في حفظ التوازن الـمجتمعيّ.

ولا تعمل هذه العوامل بصورةٍ منفصلة، بل تتداخل فيما بينها لتنتج حالةً مركّبةً من التفكّك الـمتسارع الّذي يطال مستوياتٍ متعدّدةً من البناء الاجتماعيّ.

أوّلًا: اختلال الـمرجعيّات القيميّة وتراجع الأخلاقيّاتلا يمكن اختزال ظاهرة التفكّك الاجتماعيّ في عاملٍ واحدٍ بعينه، غير أنّ تراجع حضور الـمنظومة الدينيّة الأخلاقيّة بوصفها إحدى أهمّ الـمرجعيّات الضابطة للسلوك الاجتماعيّ يمثّل عنصرًا مؤثّرًا في إضعاف البنية الـمجتمعيّة.

فالدين، في صورته القيميّة الجامعة، أسهم تاريخيًّا في ترسيخ منظوماتٍ أخلاقيّةٍ أساسيّةٍ مثل احترام الأسرة، وصون الحياة الإنسانيّة، وتعزيز روح التكافل الاجتماعيّ، وترسيخ الـمسؤولية الفرديّة والجماعيّة.

خطورة هذا التراجع لا تكمن في ضعف التديّن بوصفه ممارسةً فرديّةً فحسب، بل في انكسار ثلاث مرجعيّاتٍ أساسيّةٍ في آنٍ واحد: الـمرجعيّة الدينيّة، والـمرجعيّة الأسريّة، والثقة بالـمؤسّسات العامّة.

وعند غياب هذه الـمرجعيّات أو تراجعها، يتشكّل فراغٌ قيميٌّ واسعٌ ينعكس مباشرةً على أنماط السلوك الاجتماعيّ، ويؤدّي إلى تفاقم مظاهر العنف والجريمة، واتّساع الفجوات الاجتماعيّة، وتراجع الشعور بالانتماء الجماعيّ.

لذلك، إنّ استعادة الدور البنيويّ للدين لا ينبغي أن تُفهم بوصفها عودةً شكليّةً إلى مظاهر التديّن، بل باعتبارها إعادة تفعيلٍ لوظيفته الأخلاقيّة والاجتماعيّة بوصفه رأس مالٍ رمزيًّا يعزّز التضامن الـمجتمعيّ ويمنح الأفراد، ولا سيّما فئة الشباب، إطارًا معنويًّا يساعدهم على بناء هويّةٍ متوازنة.

أمّا التديّن الشكليّ أو الإقصائيّ الّذي يتحوّل إلى أداةٍ للصراع أو التخوين أو الانغلاق الاجتماعيّ، فإنّه لا يسهم في ترميم الـمجتمع، بل قد يعمّق من انقساماته الداخليّة.

وعليه، يجب إعادة بناء منظومةٍ قيميّةٍ متكاملةٍ تقوم على تفاعلٍ متوازنٍ بين الدين الأخلاقيّ، والأسرة الحاضنة، والتعليم الفاعل، والقانون العادل، والفرص الاقتصاديّة الـمتكافئة.

ثانيًا: تحوّلات البنية الأسريّة وتراجع الوظيفة التربويّةتمثّل الأسرة الحاضنة الأساسيّة لتشكّل القيم والاتّجاهات السلوكيّة لدى الأفراد، ولذلك فإنّ أيّ خللٍ يصيب بنيتها الوظيفيّة ينعكس مباشرةً على استقرار الـمجتمع بأسره.

وقد شهدت الأسرة العربيّة خلال العقود الأخيرة تحوّلاتٍ عميقةً أدّت إلى تراجع حضورها التربويّ في حياة الأبناء، الأمر الّذي انعكس في ضعف الحوار القيميّ داخل الفضاء الأسريّ، وتراجع دور الأسرة بوصفها مرجعيّةً توجيهيّةً ضابطة.

وفي هذا السّياق، يلاحظ انتشار خطاب الـمساواة بين الرجل والـمرأة بوصفه أحد أبرز ملامح التحوّل الاجتماعيّ الـمعاصر، غير أنّ بعض مقاربات هذا الخطاب تُطرح أحيانًا بصيغةٍ تبسيطيّةٍ لا تراعي تعقيد البنية الأسريّة ووظائفها التربويّة والاجتماعيّة.

فالـمساواة، في معناها البنيويّ العميق، لا تعني إلغاء الفوارق الوظيفيّة أو إرباك الأدوار داخل الأسرة، بل تقوم على تحقيق توازنٍ تكامليٍّ يضمن استقرار الأسرة ويعزّز قدرتها على أداء وظائفها التربويّة.

ولا يكمن التحدّي الحقيقيّ في مشاركة الـمرأة في سوق العمل أو في تحوّل الأدوار الاجتماعيّة للرجل، بل في كيفيّة إدارة التوازن بين متطلّبات الحياة الاقتصاديّة الحديثة وبين الـمسؤوليّات التربويّة للأسرة.

فغياب هذا التوازن يؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى تراجع جودة الـمتابعة الأسريّة للأبناء، وإلى ضعف الإشراف التربويّ، الأمر الّذي يفتح الـمجال أمام مصادر تنشئةٍ بديلةٍ قد لا تكون دائمًا منسجمةً مع منظومة القيم الـمجتمعيّة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء نموذجٍ أسريٍّ متوازنٍ يقوم على الشراكة والـمسؤوليّة الـمشتركة، ويبتعد عن الطروحات الـمتطرّفة الّتي تسعى إمّا إلى تجميد الأدوار التقليديّة أو إلى تفكيكها بصورةٍ فجائيّةٍ غير مدروسة، بما يضمن الحفاظ على الوظيفة التربويّة للأسرة بوصفها أحد أهمّ مرتكزات الاستقرار الاجتماعيّ.

ثالثًا: هيمنة القيم الـمادّيّة وإعادة تشكيل سلّم الـمكانة الاجتماعيّةيُعدّ تصاعد حضور البعد الـمادّي في تنظيم العلاقات الاجتماعيّة أحد أبرز التحوّلات الّتي شهدها الـمجتمع العربيّ في العقود الأخيرة، إذ أخذ الـمال يتقدّم تدريجيًّا ليغدو عاملًا حاسمًا في تحديد الـمكانة الاجتماعيّة للأفراد، وفي تشكيل معايير التقدير والاعتراف الرمزيّ داخل الفضاء الـمجتمعيّ، بل وفي إعادة تعريف صورة القدوة والنموذج الاجتماعيّ الـمحتذى.

ولا يقتصر أثر هذا التحوّل على الـمجال الاقتصاديّ فحسب، بل يمتدّ ليطال البنية القيميّة للمجتمع، حيث أخذت بعض أنماط السلوك تكتسب نوعًا من “الشرعيّة الاجتماعيّة” لا لانسجامها مع الـمعايير الأخلاقيّة السائدة، بل لارتباطها بالنجاح الـمادّيّ أو بالقدرة على تحقيق الـمكانة الاستهلاكيّة.

وفي ظلّ هذا التحوّل، تتراجع تدريجيًّا منظومات التقييم التقليديّة القائمة على الـمعرفة والنزاهة والعمل العامّ والـمسؤوليّة الاجتماعيّة، لصالح منظومةٍ جديدةٍ تُعيد ترتيب سلّم الـمكانة وفق معايير الثروة والظهور والقدرة على الاستهلاك.

إنّ تحقيق النّجاح الاقتصاديّ من خلال العمل الـمنتج والإنجاز الـمهنيّ يمثّل عنصرًا إيجابيًّا وضروريًّا في أيّ مشروعٍ مجتمعيٍّ حديث، غير أنّ الإشكاليّة تبدأ حين يتحوّل الـمال من وسيلةٍ للتنمية الفرديّة والجماعيّة إلى غايةٍ قائمةٍ بذاتها، وإلى معيارٍ شبه وحيدٍ للحكم على قيمة الإنسان وموقعه الاجتماعيّ.

فعند هذه النقطة، يبدأ التوازن القيميّ في التآكل، وتتراجع الاعتبارات الأخلاقيّة الّتي شكّلت تاريخيًّا أحد أعمدة التماسك الاجتماعيّ.

ومن هنا، إنّ التحدّي الحقيقيّ لا يكمن في الحدّ من السعي إلى النّجاح الاقتصاديّ، بل في إعادة إدماج القيمة الـمادّيّة ضمن منظومةٍ قيميّةٍ أوسع تُوازن بين الإنجاز الاقتصاديّ والـمسؤوليّة الاجتماعيّة، وبين الطموح الفرديّ والالتزام الأخلاقيّ، بما يضمن استمرار الـمال بوصفه أداةً للتنمية لا أداةً لإعادة إنتاج التفكّك الاجتماعيّ.

رابعًا: تراجع الـمرجعيّات التقليديّة وضعف الـمؤسّسات الحديثةيشكّل ضعف الـمرجعيّات الاجتماعيّة التقليديّة وتراجع فاعليّة الـمؤسّسات الحديثة أحد العوامل البنيويّة الـمركزيّة الّتي أسهمت في تعميق حالة التفكّك داخل الـمجتمع العربيّ الـمعاصر.

فقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في حضور الـمرجعيّات الّتي أدّت تاريخيًّا دورًا تنظيميًّا وأخلاقيًّا مهمًّا، مثل الـمرجعيّة الدينيّة الـمحليّة، والقيادات الاجتماعيّة التقليديّة، وكبار السنّ، وآليّات الوساطة الاجتماعيّة الّتي مثّلت أدواتٍ فعّالةً لضبط النزاعات وحماية التوازن الـمجتمعيّ.

وكان يُفترض، في سياق التحوّل نحو الدولة الحديثة، أن تتولّى الـمؤسّسات التربويّة والاجتماعيّة والثقافيّة هذا الدور التنظيميّ، من خلال توفير إطارٍ مؤسّسيٍّ قادرٍ على تعزيز الشعور بالعدالة والانتماء، وترسيخ منظومةٍ قيميّةٍ واضحةٍ تضبط السلوك الفرديّ والجماعيّ.

غير أنّ الواقع يكشف عن فجوةٍ ملحوظةٍ في أداء هذه الـمؤسّسات، سواء على مستوى التعليم، أو الخدمات الاجتماعيّة، أو الأطر الشبابيّة والتربويّة، الأمر الّذي انعكس مباشرةً في تراجع قدرتها على احتضان الأفراد، ولا سيّما فئة الشباب.

ولا يقتصر أثر هذا الضعف على الجانب الوظيفيّ للمؤسّسات، بل يمتدّ إلى تراجع مستوى الثقة بها بوصفها مرجعيّةً ضابطةً للسلوك الاجتماعيّ، وهو ما يدفع بعض الفئات، خصوصًا الشباب، إلى البحث عن أطرٍ بديلةٍ غير منظّمة، قد تقع أحيانًا خارج الإطار القيميّ أو القانونيّ، الأمر الّذي يفاقم من مظاهر الاضطراب الاجتماعيّ ويُنتج حالةً من فقدان الاتّجاه واليقين الاجتماعيّ.

ومن هنا، فإنّ إعادة بناء التماسك الـمجتمعيّ تظلّ رهينةً بقدرة الـمؤسّسات على استعادة دورها التربويّ والتنظيميّ، وتعزيز حضورها بوصفها فضاءً جامعًا يوازن بين الحقوق والواجبات، ويعيد إنتاج منظومةٍ قيميّةٍ مشتركةٍ قادرةٍ على حماية الـمجتمع من الانزلاق نحو مزيدٍ من التفكّك البنيويّ.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك