في مشهد يعكس حجم التحولات التي فرضها النزاع المسلح بين الجيش وقوات" الدعم السريع" منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023، تمضي السلطات في الخرطوم نحو واحدة من أكثر العمليات حساسية وتعقيداً، وهي نقل القبور الاضطرارية التي انتشرت داخل الأحياء السكنية والساحات العامة خلال فترة الحرب.
وبينما تشير الأرقام الرسمية إلى إنجاز نحو 50 في المئة من هذه المهمة، يفتح هذا الملف تساؤلات واسعة حول الأبعاد الإنسانية والقانونية والصحية، ومدى كفاية الإجراءات المتبعة في التعامل مع واحدة من أكثر تبعات الحرب قسوة.
مع تصاعد وتيرة القتال في العاصمة الخرطوم خلال الفترة الماضية، وجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام خيار وحيد يتمثل في دفن ذويهم في أماكن غير مخصصة للدفن، في مقابر ضمن الساحات العامة ومحيط المنازل وحتى المرافق الخدمية.
هذه الظاهرة لم تكن استثنائية بقدر ما كانت استجابة مباشرة لانهيار الخدمات الأساسية، وتعذر الوصول إلى المقابر الرسمية بسبب الأخطار الأمنية.
وبحسب بيانات رسمية، جرى نقل أكثر من 11 ألف رفات من أصل ما يزيد على 20 ألف شخص دفنوا في قبر اضطراري، في وقت تتواصل فيه عمليات النبش وإعادة الدفن تحت إشراف جهات حكومية متخصصة.
ومع ذلك، لا يزال المشهد يعكس واقعاً معقداً تتداخل فيه الضرورة الإنسانية مع التحديات اللوجيستية والقانونية.
يقول المتخصص في إدارة الأزمات الإنسانية طه محمد، " إن ما حدث في الخرطوم يمثل نمطاً معروفاً في مناطق النزاع، إذ تتحول المدن إلى مساحات متعددة الاستخدام، بما في ذلك الدفن، نتيجة لانهيار البنية التحتية.
لذلك فإن عمليات النقل الحالية تُعد خطوة ضرورية لإعادة تنظيم الفضاء الحضري، لكنها تحتاج إلى معايير دقيقة تضمن احترام الكرامة الإنسانية للمتوفين وذويهم".
ويضيف محمد أن" التحدي لا يكمن فقط في نقل الرفات، بل في توثيقها، وبخاصة في حالات مجهولي الهوية، وغياب قاعدة بيانات دقيقة قد يؤدي إلى فقدان حقوق قانونية وإنسانية لاحقاً، خصوصاً في ما يتعلق بالتعرف إلى الضحايا أو مساءلة الأطراف المسؤولة".
ويرى المتخصص في إدارة الأزمات الإنسانية أن" نجاح هذه العمليات يعتمد على التنسيق بين الجهات الصحية والقانونية، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي لضمان الشفافية وتقليل التوترات الاجتماعية المرتبطة بفتح القبور".
تؤكد الجهات الرسمية أن عمليات نبش ونقل الرفات تجري وفق إجراءات قانونية محددة، تشمل فتح بلاغات رسمية وإخطار ذوي المتوفين والتنسيق مع الطب العدلي لضمان سلامة العملية.
وبحسب السلطات، فإن هذه الإجراءات تهدف إلى تنظيم العملية ومنع أي تجاوزات قد تمس حرمة الموتى.
وعلى رغم ذلك، يثير بعض المتابعين تساؤلات حول مدى كفاية هذه الإجراءات في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وبخاصة مع وجود أعداد كبيرة من القبور التي أنشئت بطريقة عشوائية ومن دون توثيق سابق.
في هذا السياق، يشير الباحث القانوني أحمد مرتضى إلى أن" الإطار القانوني الحالي قد لا يكون مصمماً للتعامل مع حالات جماعية بهذا الحجم، وبخاصة أن القوانين التقليدية المتعلقة بالدفن والنبش تعتمد على ظروف مستقرة، وليس على أوضاع نزاع مسلح.
لذلك التحدي الأكبر يتمثل في التوفيق بين متطلبات القانون والواقع الميداني، إذ قد يكون من الصعب الوصول إلى جميع ذوي المتوفين أو التحقق من هوياتهم".
واستطرد مرتضى" أي خلل في الإجراءات قد يفتح الباب أمام نزاعات مستقبلية، سواء على مستوى العائلات أو في سياق العدالة الانتقالية.
لذلك من المهم وجود رقابة مستقلة على هذه العمليات، لضمان الالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية وتوثيق كل خطوة بصورة دقيقة".
ونوه الباحث القانوني إلى أن" استمرار وجود القبور داخل الأحياء السكنية يمثل خطراً أكبر، مما يجعل عمليات النقل ضرورة لا يمكن تأجيلها".
بعيداً من الأرقام والإجراءات، تظل الأبعاد الإنسانية حاضرة بقوة في هذا الملف، حيث ترتبط عمليات نبش القبور بمشاعر معقدة لدى الأسر التي فقدت ذويها في ظروف قاسية.
وبالنسبة إلى كثر، لم يكن الدفن في المنازل أو الساحات خياراً، بل كان واقعاً فرضته الحرب.
وتطرح هذه العمليات تساؤلات حول كيفية التعامل مع هذه الحساسية، ومدى مراعاة مشاعر الأسر خلال إعادة فتح القبور ونقل الرفات، وبخاصة في ظل غياب الدعم النفسي الكافي.
يقول المتخصص في علم الاجتماع الزبير أحمد إن" الدفن ليس مجرد إجراء، بل هو طقس اجتماعي وثقافي يحمل دلالات عميقة"، مشيراً إلى أن" إعادة فتح القبور قد تحيي الصدمات لدى بعض الأسر، والتعامل مع هذا الملف يجب ألا يقتصر على الجانب الإداري، بل يتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد النفسية والاجتماعية".
ويرى أحمد أن" إشراك الأسر في اتخاذ القرار، وإتاحة الفرصة لها لحضور عمليات النقل أو معرفة تفاصيلها، يمكن أن يسهما في تخفيف حدة التوتر.
مع أهمية توفير دعم نفسي ولو بصورة محدودة، وبخاصة في المناطق التي شهدت مستويات عالية من العنف.
فبقاء القبور داخل الأحياء قد يعوق عودة الحياة الطبيعية، مما يجعل النقل خطوة ضرورية على رغم تعقيداتها".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)إضافة إلى الأبعاد القانونية والإنسانية، تبرز المخاوف الصحية كأحد الدوافع الرئيسة وراء تسريع عمليات نقل القبور.
فوجود رفات بشرية داخل الأحياء السكنية، وبخاصة في ظل غياب المعايير الصحية، قد يشكل خطراً على البيئة وسلامة السكان.
وتؤكد تقارير محلية أن بعض هذه القبور كانت قريبة من مصادر المياه أو داخل مناطق مكتظة، مما يزيد احتمالات التلوث وانتشار الأمراض.
يقول متخصص الصحة العامة أشرف عبدالقادر إن" الدفن غير المنظم داخل المدن يمثل خطراً بيئياً حقيقياً، لا سيما إذا لم تُراعَ شروط العمق والعزل، كذلك فإن تحلل الجثامين قد يؤثر في التربة والمياه الجوفية".
ويضيف عبدالقادر أن" نقل الرفات إلى مقابر مخصصة يسهم في تقليل هذه الأخطار، لكنه يتطلب أيضاً اتباع معايير صارمة أثناء عملية النبش والنقل".
ويشير متخصص الصحة العامة إلى أن" التحدي الأكبر يتمثل في ضمان سلامة العاملين في هذه العمليات، من خلال توفير معدات الحماية والتدريب اللازم.
مع ضرورة التنسيق مع الجهات الصحية لمراقبة أي آثار محتملة على السكان.
في حين أن التأخر في معالجة هذا الملف قد يؤدي إلى مضاعفات صحية يصعب احتواؤها لاحقاً، مما يجعل تسريع العمليات أولوية على رغم التحديات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك