عمان – يعيد تصاعد الضغوط البيئية، من شح المياه إلى تقلبات الإنتاج الزراعي، تشكيل ملامح العلاقة بين الموارد الطبيعية والاستقرار المجتمعي، في معادلة باتت أكثر حساسية في السياق الأردني.
اضافة اعلانفداخل هذه المعادلة، يتقدم الشباب بوصفهم فاعلا قادرا على كسر أنماط الاستجابة التقليدية، عبر نقل القضايا البيئية من نطاقها الخدمي الضيق إلى فضاء؛ يرتبط بإدارة التوترات وبناء مسارات بديلة قائمة على التعاون.
وهذا التحول لا ينفصل عن مفهوم السلام البيئي الذي يجد في المبادرات الشبابية حاضنة عملية لتطبيقه، إذ تتيح هذه المبادرات، إنتاج مقاربات ميدانية تقوم على الحوار والتشاركية، بدل التنافس على الموارد، وفق شباب مختصين بالشأن البيئي لـ" الغد".
ويرون أن قدرة الشباب على التحرك وسط مجتمعاتهم، وفهمهم لحساسياتها الاجتماعية، تمنحهم موقعا متقدما بتحويل القضايا البيئية إلى نقاط التقاء، لا بؤر خلاف، خصوصا في ملفات شديدة التعقيد كالمياه والطاقة.
وتكشف التجارب المحلية، أن المبادرات التي يقودها الشباب لا تكتفي برفع الوعي، بل تعيد صياغة أنماط التفاعل بين الأفراد والموارد، عبر ربط السلوك البيئي اليومي بمفاهيم العدالة والإنصاف، بحسبهم، وهذا الربط الذي يدعون إليه، يحد من احتمالات الاحتقان، بخلق فهم مشترك لطبيعة التحديات، وتوزيع أعبائها بشكل أكثر توازنا، وهو ما يشكل جوهر السلام البيئي في مستواه المجتمعي.
صنع التغيير عن طريق الحوارأكد عضو مجلس إدارة جمعية الجيل الأخضر عبدالله دريعات أن المبادرات الشبابية تؤدي دورا مهما في ترسيخ السلام البيئي، لما لمخرجاتها من تأثير مباشر في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية.
ولفت دريعات إلى أن القيادات الشبابية عبر انخراطهم في المبادرات البيئية المتميزة على الصعيد المعرفي، سيكونون قادرين على صنع التغيير عن طريق الحوار البناء مع الشرائح المجتمعية، ما سيحقق" العدالة البيئية"؛ لأن كثيرا من المبادرات الشبابية يرتكز على التوزيع العادل للموارد الطبيعية بين فئات المجتمع، والتي بدورها تؤدي للسلام البيئي.
ولعل المنهج الأفضل لتحقيق السلام البيئي يكمن في أن تتبع المبادرات الشبابية المنهج القائم على دعم المجتمع ومشاركته الفاعلة فيها، مع إبراز دور الشباب في القيادة، مضيفا أن المجتمعات عندما تدرك أن استدامة الموارد الطبيعية لا تتحقق فقط بحمايتها فعليا، بل بالحوار وتفعيل الشراكات المتعددة، سواء مع الجهات الحكومية أو القطاع الخاص.
ويؤكد دريعات أن هنالك حاجة ملحة لإعادة تعريف مصطلحات السلام البيئي، والعدالتين البيئية والمناخية، ليتمكن الأردن من تحقيق أهدافه، كما لا بد من بناء قدرات الشباب المعرفية والمهاراتية في الاتصال والتواصل والنقد والتحليل، لتمكينهم من أن يصبحوا صناعا للسلام البيئي في المجتمعات المحلية.
ودعا الحكومة إلى تسهيل الإجراءات الخاصة بإطلاق المبادرات الشبابية في مجال السلام البيئي، وتوفير الموارد المالية لدعمها، وإدراج السلام البيئي في الخطط والاستراتيجيات البيئية، مبينا أن هذا السلام يمكنه تحقيق الاستدامة على مدى طويل للموارد الطبيعية، خصوصا في قطاعي المياه والزراعة، لكونه يوفر للمجتمع حلولا مربحة، ويمتن الروابط الاجتماعية، ويرفع كفاءة المجتمع في الإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية.
الحد من التوترات المجتمعيةومن وجهة نظر عضو مجلس الشباب العربي للتغير المُناخي أنس الزواهرة، فإن المبادرات البيئية التي يقودها الشباب، تؤدي دورا محوريا بـ" الحد من التوترات المجتمعية" المرتبطة بالتحديات البيئية، ويكون ذلك، بتعزيز الوعي البيئي، وتنفيذ ورش عمل وحوار وبناء قدرات، تسلّط الضوء على القضايا المحلية، وتدفع لـ" حلول مبتكرة ومستدامة قائمة" على" التعاون لا تأجيج الصراعات".
وشدد على أن هذه المبادرات، تُسهم بترسيخ روح المشاركة المجتمعية، وتوضيح مسؤولية الأفراد بحماية الموارد الطبيعية، ونقل صوت المجتمع لصناع القرار عبر الحوار، و" بناء الثقة كركيزة للسلم البيئي".
ويبرز دور الشباب أيضا، كما شرحه الزواهرة، في الأنشطة الميدانية، مثل حملات النظافة وترشيد استهلاك المياه والطاقة، وزراعة الأشجار، وتمثيل مجتمعاتهم في المحافل، بما يعزز تبادل المعرفة واستقطاب أفكار تسهم بدعم المجتمعات المحلية، معتبرا بأن النماذج التشاركية، والشراكات متعددة الأطراف، والعمل المجتمعي الميداني، من أبرز الأسس لبناء مبادرات شبابية ذات" أثر حقيقي" في المجتمع المحلي.
ويتحقق ذلك، كما يقترح، ببناء سلسلة شراكات فاعلة بين المبادرات الشبابية والمجتمع المحلي، والبلديات والمنظمات المحلية والدولية، وإشراك القطاع الخاص، والاستفادة من دوره في المسؤولية المجتمعية.
وهذا النهج، يُسهم بكسب الزخم واستقطاب الدعم الفني والمالي، بما يعزز ثقة المجتمع بدور الشباب، عبر الوصول لنتائج ملموسة قائمة على الحوار المفتوح والشفاف مع أصحاب المصلحة.
ولفت الزواهرة، إلى أن العمل التطوعي الميداني، كالمشاركة في حملات النظافة وترشيد استهلاك الموارد، من أهم الأدوات التي تعزز التواصل بين الشباب والمجتمع، وتسهم بعمق في ترسيخ مفهوم السلام البيئي.
مضيفا أن المشاركة المجتمعية للشباب، ركيزة أساسية في بناء السلام البيئي، وتقوم على مفاهيم محورية، أبرزها التعاون والشفافية، والمسؤولية المشتركة.
فالتعاون أساس لتعزيز التماسك المجتمعي، وتمكين العمل الجماعي تجاه مختلف القضايا، بما فيها حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
وأكد على أن الشفافية كقيمة أخلاقية ومهنية تساعد في الحد من النزاعات، وتعزيز الثقة بين مختلف الأطراف، من خلال إدارة الموارد الطبيعية بعدالة وكفاءة بما يحمي البيئةـ ويعزز العدالة الاجتماعية.
وأما المسؤولية المشتركة، في رأيه، فإنها تتمثل في توزيع الأدوار والمهام بين جميع أصحاب المصلحة، بما يضمن انخراط المجتمع بشكل فعّال في العمل البيئي، ورفع جودة المخرجات ضمن إطار متكامل يدعم بناء السلام البيئي المستدام.
وأضاف الزواهرة، أنه" في السنوات الأخيرة، شهدنا انتشارا ملحوظا للمبادرات والمؤسسات والحركات البيئية والمجتمعية التي يقودها الشباب، لكن هذا الزخم ما يزال بحاجة لتأطير وتنظيم فعّال".
ومن هنا يبرز دور الجهات الحكومية بتعزيز التمكين المؤسسي لهذه المبادرات، بما يضمن امتلاكها لهياكل إدارية ومالية وفنية مستقرة، تمكّنها من العمل بكفاءة وأمان، وتحوّلها لمنصات قادرة على استقطاب الموارد البشرية والمالية بشكل مستدام.
ولكنه اشترط لنجاحها، تذليل العقبات الإدارية والإجرائية أمام الشباب، سواء بشأن تسجيل المبادرات أو الحصول على التراخيص، ويمكن تنفيذها عبر تطوير تشريعات وأنظمة، تشجع مشاركة الشباب في العمل الاجتماعي والبيئي المؤثر.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الأردن، بوصفها دولة ذات غالبية شبابية، تشكل ركيزة أساسية في مسار التنمية وتعزيز المنعة المجتمعية.
ودعا الزواهرة، لتعزيز أنظمة المتابعة والتقييم والرقابة على أداء هذه المبادرات، بما يضمن حماية الشباب من أي مخاطر أو استغلال أثناء عملهم العام، ويعزز ثقة المجتمع بدورهم، ويحول دون تحولهم إلى الحلقة الأضعف، بل إلى شركاء فاعلين في التنمية وحل التحديات البيئية والمجتمعية.
وبناء على كل تلك المعطيات، يُعدّ السلام البيئي نهجا شاملا ومتكاملا يسهم بتحويل التنافس على الموارد الطبيعية لفرص تعاون وتنمية مستدامة، بدمج الإدارة البيئية كأداة فعّالة للاستقرار ومنع نشوء الصراعات.
ويرافق ذلك، كما يشرح، المساهمة ببناء الثقة بين الأطراف، بما يعزز من قدرة المجتمعات على التعامل مع التحديات البيئية بتشاركية واستدامة، ويُحوّل القضايا البيئية من مصدر توتر إلى مساحة للتعاون والعمل المشترك.
وأضاف الزواهرة، أن تحقيق السلام البيئي، يمثل إطارا متكاملا يقوم على أربعة أبعاد رئيسة: الأمني والبيئي والاقتصادي (سبل العيش)، والمجتمعي.
وعبر الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية، يمكن تعزيز الاستقرار وبناء الثقة والحد من التوترات والصراعات المرتبطة بهذه الموارد.
وفي السياق الأردني، تتحدد أهمية هذا النهج بمعالجة التحديات المرتبطة بالوصول للمياه، بخاصة في الصيف، بحيث تؤدي الانقطاعات المتكررة إلى التوتر في المجتمعات المحلية، ما قد يتفاقم لاحقا إذا لم يُعالج بفعالية.
لذا يبرز دور السلام البيئي في إرساء وعي مجتمعي بأهمية كفاءة استخدام المياه وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، بما يضمن تحقيق العدالة في الوصول للمياه لجميع الأفراد، ويحول دون تحول التحديات إلى صراعات مستقبلية.
وبشأن البعد البيئي، لا يختلف الأمر كثيرا بحسبه، إذ يُعتبر الجزئية الأهم في معادلة السلام البيئي، بحيث أن تقييم الاحتياج الملائم للمجتمعات يسهم بشكل كبير في بناء الثقة بين جميع الأطراف، وتقليل الاعتداءات غير المشروعة على الموارد البيئية، وخلق مناخ عام يسعى لحماية الموارد البيئية، بخاصة بعد إدراك أن هذه الموارد معرضة لتهديدات عديدة.
علاوة على ذلك، يُعدّ البعد الاقتصادي من أهم ركائز تحقيق الاستقرار المجتمعي، إذ إن تأمين سبل العيش المستدامة عامل حاسم في الحد من الصراعات، وتعزيز فرص بناء السلام، بحسبه.
لذلك، شدد على أن الإدارة الفعالة للموارد الطبيعية ضمن إطار السلام البيئي ضرورة أساسية لتعزيز الأمنين المائي والغذائي، وبالتالي معالجة أحد أبرز مصادر التوتر بين المجتمعات.
وضرب مثالا على ذلك، عندما شهد الأردن انخفاضا في إنتاج زيت الزيتون العام الماضي، ما أدى لارتفاع مستويات التوتر المجتمعي حول تأمين هذه المادة الأساسية على المائدة الأردنية.
أما البعد الأخير، فيركز على أن الحوار المفتوح حول القضايا البيئية بين الجهات المعنية والمجتمعات فرصة لا بد لصناع القرار من تعزيزها، لتقليل حدة الصراعات والتوترات، وتحديد الأدوار والمنفعة المكتسبة من تمكين مفهوم السلام البيئي.
إرساء مفهوم السلام البيئيوبرأي مؤسسة مبادرة" كلايمت تي تي" دانيا المومني، فإن المبادرات الشبابية تؤدي دورا محوريا في إرساء مفهوم السلام البيئي؛ لأنها تُسهم في تحويله من فكرة نظرية إلى ممارسة يومية.
فعبر تجربتها العملية، تؤكد أن الشباب قادرون على خلق مساحات للحوار والعمل المشترك، والمساعدة في ربط القضايا البيئية بالاستقرار المجتمعي.
ولكن المومني تؤكد في الوقت ذاته أن السلام البيئي لا يقتصر على حماية الطبيعة، بل يشمل أيضا تقليل التوترات المرتبطة بالموارد كالمياه والأراضي، وعندما يقود الشباب هذه الجهود، فإنهم يعملون على تعزيز المسؤولية المشتركة، ما ينعكس إيجابا على التماسك المجتمعي.
ولعل النموذج الأنجح الذي استندت عليه يقوم على المشاركة الفعلية لا على التوعية التقليدية فقط، أي أن تكون المجتمعات المحلية جزءا من تصميم المبادرات وتنفيذها، وليس مجرد متلقٍ لها.
كما أن الجمع بين التوعية والعمل التطبيقي عنصر أساسي لنجاح هذه المبادرات، كربط النقاشات البيئية بأنشطة عملية كإعادة التدوير أو الزراعة، وفقها.
وبالإضافة إلى ذلك، شددت على أن استخدام أدوات إبداعية -مثل أشكال الفنون المختلفة، أو البودكاست، أو الحوارات المفتوحة- يساعد في إيصال الرسائل بشكل أكثر تأثيرا، بخاصة بين فئة الشباب، مضيفة أن أبرز مفاهيم وتطبيقات المشاركة المجتمعية للقيادات الشبابية ضمن إطار بناء السلام البيئي هي القائمة على" الملكية المشتركة"، التي يشعر الشباب عبرها بأنهم جزء من المشكلة والحل معا، ما يعزز من التزامهم واستمرارية مشاركتهم في المبادرات.
أما من ناحية التطبيق، فتتجلى المشاركة المجتمعية بتنظيم جلسات حوار، وإشراك الشباب في تصميم وتنفيذ المشاريع البيئية، والعمل التطوعي المرتبط بها، مشددة على أن خلق مساحات آمنة للنقاش حول قضايا شح المياه، أو الهجرة المناخية، من أهم أشكال هذه المشاركة.
ولتعزيز تلك الخطوة، دعت المومني إلى منح الشباب مساحة حقيقية للمشاركة القائمة على الثقة، ودعم المبادرات الشبابية عبر التمويل والتسهيلات، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع صناع القرار، وحثت على إدماج الشباب في صياغة السياسات البيئية لكونها خطوة مهمة، بحيث لا يقتصر دورهم على التنفيذ فقط، إلى جانب توفير منصات رسمية للحوار، ودعم المبادرات المحلية الصغيرة التي تُحدث أثرا مباشرا في المجتمعات.
وهذه المقترحات برأيها، ستعزز من السلام البيئي الساعي لإعادة النظر في القضايا البيئية من منظور شامل، يربط بين البيئة والمجتمع والعدالة؛ إذ إن الأردن يشهد تحديات تتمثل في شح المياه والتغير المناخي، والتي تشكل عوامل ضغط قد تؤدي لتوترات مجتمعية.
وعبر تبني نهج السلام البيئي، يمكن تعزيز الحلول التشاركية والعادلة، مما يسهم في تقليل النزاعات وتحقيق استدامة حقيقية، فبدلا من الاقتصار على حلول تقنية قصيرة المدى، يجري التركيز على بناء الثقة والتعاون بين الأطراف، ما يشكل أساسا لأي حل طويل الأمد، تبعا لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك