عمان-الغد- أكد المفكر العراقي د.
عبدالله إبراهيم، أن الاستشراق لم يكن مجرد تراكم بحثي، بل هو نظام معرفي، سعى لإدراج الشرق ضمن المدار الغربي، بينما أعاد" الاستشراق الجديد" لاحقًا قراءة المصادر الإسلامية من خارجها، ما أثار إشكاليات منهجية حول طبيعة المعرفة والتاريخ.
اضافة اعلانجاء ذلك خلال محاضرة استضاف فيها منتدى الفكر العربي، أمس، المفكر عبد الله ابراهم، بعنوان" الاستشراق الجديد"، وأدارها الأمين العام للمنتدى د.
الصادق الفقيه، بحضور ومشاركة أكاديمين ومفكرين ومثقفين.
وبَيّنَ إبراهيم، أن الاستشراق المثال الأوضح للتداخل بين القوة والمعرفة، إذ غلب فيه وجه القوة فيما يُعرف بـ" الاستشراق الوظيفي" الذي أسهم بدعم التجربة الاستعمارية، في مقابل" الاستشراق المعرفي" الذي انصرف للدراسة الأكاديمية دون الارتباط المباشر بمشاريع الاستعمار.
وأوضح أن الاستشراق لم يكن مجرد تراكم بحثي في الأديان واللغات والتواريخ والآداب داخل" مؤسسة الاستشراق"، بل تشكّل بوصفه نظامًا معرفيًا قابلاً للاستخدام في سياقات متعددة.
وأضاف أن هذا النظام المعرفي، نشأ عن قوةٍ سعت لنقل المعرفة من إطارها الغربي إلى موضوعها الشرقي، بهدف إدراجه ضمن المدار الغربي وإخضاعه لآلياته التفسيرية.
وبيّن أن الدافع العميق للاستشراق لم يكن الفضول العلمي الخالص، بل إدراك أن المعرفة، حين تصدر عن منظومة قوة كبرى، تؤول في الغالب إلى أشكال من السيطرة على الأمم الأخرى وتوجيه وعيها التاريخي والثقافي.
وأشار إبراهيم، إلى أنه مع أفول المرحلة التقليدية للاستشراق، برز ما يُعرف بـ" الاستشراق الجديد" في الربع الأخير من القرن العشرين، والذي أعلن القطيعة مع تقاليد الاستشراق القديم، متعاملًا مع المصادر الإسلامية لا بوصفها سجلاً تأسيسيًا للحدث الإسلامي، بل باعتبارها نصوصًا لاحقة خضعت لإعادة تشكيل شفهي وفق اعتبارات سياسية ودينية متأخرة.
ولفت إلى أن هذا التحول أدى إلى إشكالية منهجية تمثلت في التشكيك بالمصادر المبكرة والاستعاضة عنها بمصادر خارجية، بما أفضى إلى إعادة صياغة موضوع الاستشراق بدل دراستهوأوضح إبراهيم، أن هذا التحول المنهجي في" الاستشراق الجديد" لا يمكن فصله عن تطور أدوات البحث التاريخي والنقد النصي في الدراسات الغربية، لكنه في الوقت نفسه، أدى إلى نوع من" الإزاحة المعرفية" التي لم تكتفِ بإعادة قراءة التاريخ الإسلامي، بل دفعت إلى إعادة بنائه من خارج مصادره الأصلية.
مؤكدًا أن هذا التوجه، يطرح إشكالًا جوهريًا يتعلق بحدود الموضوعية في دراسة التاريخ، حين تتحول أدوات النقد إلى وسيلة لإعادة تشكيل الوقائع بدل فهمها في سياقها الداخلي.
وكان د.
الفقيه، أكد في بداية اللقاء أن السردية والرواية ليستا مجرد أدوات لنقل الوقائع، بل هما أطرٌ فاعلة في تشكيل الوعي وإعادة إنتاج المعنى، ولفت إلى أن الاستشراق، في صيغته الكلاسيكية والجديدة، قدّم نماذج مختلفة لتمثّل الشرق، بينما برز الاستغراب كمحاولة معاكسة لفهم الغرب، داعيًا إلى تجاوز ثنائية التمثيل المتقابل نحو بناء معرفة نقدية متوازنة.
وأضاف أن التحدي المعرفي اليوم، يكمن في كيفية إنتاج سرديات عربية قادرة على استيعاب الذات دون الانغلاق، والتفاعل مع الآخر ودون التبعية، مؤكدًا أن إعادة قراءة التراث والمصادر ينبغي أن تتم ضمن منهجيات علمية رصينة، لا تقع في فخ الإنكار أو التبني غير النقدي.
وشدد على أن التكامل بين التحليل التاريخي والنقد الثقافي يمثل مدخلًا ضروريًا لفهم أعمق للعلاقات بين الشرق والغرب في سياقها المعاصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك