العقبة- يسرع ميناء حاويات العقبة، وتيرة تحوله نحو الاقتصاد الأخضر عبر إستراتيجية محكمة لإزالة الكربون، تتناغم مع الرؤى المناخية الوطنية والدولية، ومؤسسا لمرحلة تتجاوز الإدارة المينائية التقليدية نحو كفاءة تشغيلية ممزوجة بمسؤولية بيئية صارمة، حيث يستهدف بخطى واثقة خفض الانبعاثات بنسبة 65 % بحلول عام 2030 مقارنة بعام 2022، في حين يوجه بوصلته لبلوغ صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2040، ليكرس بذلك مكانته الإستراتيجية كأحد أبرز الموانئ المستدامة إقليميا.
اضافة اعلانولتحقيق هذه الأهداف الطموحة التي تتطلب جهودا استثنائية، نفذ ميناء الحاويات سلسلة متكاملة من المبادرات عالية الأثر عبر ركائز تشغيلية رئيسة تستهدف كافة مفاصل العمل المينائي، حيث سجل الميناء في مجال الطاقة المتجددة قصة نجاح ملهمة بنجاحه في الوصول إلى تغطية نحو 80 % من إجمالي استهلاكه للكهرباء من مصادر متجددة ونظيفة، محققا هذا الإنجاز من خلال الجمع الذكي والفعال بين إنتاج الطاقة الشمسية في الموقع ذاته والحصول على شهادات الطاقة المتجددة الدولية المرموقة، وممتلكًا خريطة طريق واضحة المعالم للوصول إلى الاعتماد بنسبة 100 % على الكهرباء المتجددة بحلول عام 2030، وموازاة مع ذلك يجري العمل حاليا على تطوير مشروع طاقة شمسية واسع النطاق من شأنه تعزيز القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة خلال السنوات القليلة المقبلة لتلبية الاحتياجات المتنامية للميناء.
حول ذلك، يقول الرئيس التنفيذي لشركة ميناء حاويات العقبة هارالد نايهوف لـ" الغد": إن هذا التحول نحو التشغيل الكهربائي يمثل محطة إستراتيجية رئيسة أخرى في مسيرة الميناء الخضراء، مؤكدا أن الميناء أدخل أسطولا متطورا من معدات التشغيل الكهربائية التي تشمل قاطرات الساحة، وروافع مناولة الحاويات المعبأة، وروافع مناولة الحاويات الفارغة، إضافة إلى الرافعات الشوكية وأسطول متكامل من المركبات الكهربائية الخدمية الإدارية والتشغيلية، مما يكسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة كونها انطلقت من خلال مشروع تجريبي رائد يعد الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، واضعا ميناء الحاويات في طليعة الابتكار في مجال تشغيل الموانئ المستدامة إقليميا ودوليا.
وبين نايهوف، أن ميناء الحاويات أولى أهمية بالغة لتعزيز كفاءة استهلاك الطاقة عبر مرافقه المختلفة لضمان الاستغلال الأمثل للموارد، حيث أسفر مشروع تحديث أنظمة الإضاءة واسع النطاق، الذي شمل استبدال أكثر من 650 وحدة إضاءة تقليدية بأنظمة موفرة للطاقة بكفاءة عالية، عن خفض استهلاك الكهرباء المرتبط بالإضاءة بنسبة تقدر بنحو 82 %، وهو ما يعادل توفير قرابة مليون كيلوواط/ساعة سنويا، وأسهمت إجراءات إضافية مكملة، مثل تركيب أنظمة تكييف تعتمد على تقنيات حديثة موفرة للطاقة كتقنية العاكس، في تعزيز الكفاءة التشغيلية بشكل أكبر وأكثر استدامة.
وأكد أن ميناء الحاويات تمكن منذ عام 2022 من خفض إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تقارب 36 %، مسجلا هذا الإنجاز البيئي الاستثنائي رغم الزيادة الكبيرة والملحوظة في أحجام مناولة الحاويات، مما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك قدرته الفائقة على فصل النمو التشغيلي والاقتصادي عن الأثر البيئي السلبي، ومعززا مكانته كأحد رواد تشغيل الموانئ المستدامة والقادرة على التكيف بمرونة عالية مع التغير المناخي في المنطقة.
وبحسب نايهوف، يواصل ميناء الحاويات التوسع المبرمج في استثماراته في قطاع الطاقة المتجددة وتوسيع نطاق كهربة المعدات الثقيلة، إلى جانب الاستثمار الإستراتيجي في بنية تحتية متوافقة مع متطلبات المستقبل والتطور التكنولوجي، بما يشمل الحلول المتكاملة مع الشبكة الكهربائية وإمكانية تزويد السفن بالطاقة من الشاطئ لتقليل انبعاثاتها أثناء الرسو، ومن خلال هذه المبادرات الشاملة يسعى ميناء الحاويات إلى ترسيخ دوره كممكن رئيس للتجارة والخدمات اللوجستية المستدامة في المنطقة، والمساهمة الفاعلة في تحقيق الأهداف المناخية العالمية.
كما أكد أن إزالة الكربون تعد أولوية إستراتيجية ومسؤولية أساسية في ميناء حاويات العقبة، ويعكس إطلاق أول مشروع تجريبي للمعدات الكهربائية في المنطقة التزامنا بالريادة عبر تقديم نموذج فعال في تسريع التحول نحو عمليات موانئ أكثر استدامة، ومجسدا بذلك الإرادة المؤسسية الصلبة للمضي قدما في هذا المسار.
وأضاف نايهوف، أن ميناء حاويات العقبة برز كخيار مفضل وموثوق لحركة الترانزيت المتجهة إلى دول المشرق العربي، وقد نجح ميناء الحاويات في تعزيز هذه المكانة الرفيعة بالاستفادة القصوى من الموقع الإستراتيجي للأردن، وكنتيجة لتطوير إستراتيجيته الشاملة بما يدعم هذا التوجه الحيوي، وكذلك فقد ركز ميناء الحاويات جهوده على الاستثمار بشكل كبير ومكثف في تحديث مرافقه التشغيلية، بما في ذلك إدخال رافعات رصيف حديثة وعملاقة، وتطوير مرافق صيانة سطح الرصيف، إلى جانب العمل الدؤوب على تقليص الازدحام على الأرصفة من خلال إزالة المعدات القديمة وتحديث الأسطول، فضلا عن الاستثمار النوعي في تطوير مهارات وكفاءات كوادره البشرية التي تمثل رأس المال الحقيقي للمؤسسة، مشيدا بالمنظومة الأردنية المتكاملة والشركاء الخارجيين لما أظهروه من مرونة وقدرة عالية على التكيّف والتوسع في العمليات التشغيلية لتلبية الطلب المتزايد على حركة التجارة.
وتبرز المكانة التنافسية الحالية لميناء حاويات العقبة كقصة نجاح في إدارة الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص، حيث أتاحت الكفاءة التشغيلية المتميزة والاستثمارات الإستراتيجية المسبقة الاستفادة من المستجدات الإقليمية التي أعقبت إغلاق باب المندب، بما مكن الميناء من استقطاب عدد إضافي كبير من رحلات السفن من المشغلين الإقليميين والدوليين، وقد نجح ميناء حاويات العقبة بفضل جاهزيته العالية ومرونته التشغيلية الفائقة والتخطيط المحكم في رفع قدرته الاستيعابية للتعامل بكفاءة واقتدار مع ما يصل إلى 60 باخرة شهريًا، مقارنة بما كان يتراوح بين 35 و40 باخرة في عام 2024، مما يعكس قدرته الاستثنائية على التكيف السريع مع المتغيرات الطارئة وتعزيز مكانته التنافسية في المنطقة، كما نشهد حاليًا ارتفاعًا في أحجام المناولة في العقبة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أسهم في تحويل جزء من حركة التجارة والشحن إلى ميناء حاويات العقبة.
ويخدم ميناء حاويات العقبة حاليا شبكة واسعة تضم نحو 110 خطوط شحن عالمية، يتم تقديم الخدمات لها من خلال 24 خدمة بحرية منتظمة تتردد على الميناء بشكل مجدول وموثوق، مما يؤكد مستوى الربط البحري المتقدم الذي يتمتع به الميناء.
ويعمل ميناء حاويات العقبة بلا كلل على تعزيز موقعه كمركز إقليمي رائد للتجارة واللوجستيات من خلال مجموعة من المبادرات الإستراتيجية الطموحة لاستقطاب الشركات وخطوط الشحن، ولعل أبرز هذه المبادرات يتمثل في التطوير المستمر للبنية التحتية والتوسعة التشغيلية لزيادة القدرة الاستيعابية وتحسين سرعة وكفاءة مناولة الحاويات، وتحديث التقنيات والأنظمة التشغيلية عبر إدخال أنظمة متقدمة وأتمتة العمليات لرفع كفاءة الأداء وتقليل الأخطاء البشرية.
كما يعمل على تعزيز الشراكات الإستراتيجية طويلة الأمد مع مشغلي الخطوط العالمية بما يضمن استمرارية الربط البحري وتوسيع الشبكات اللوجستية، وتحسين جودة الخدمة وتقليل زمن المناولة ومكوث السفن بما يعزز جاذبية ميناء الحاويات أمام شركات الشحن العالمية التي تبحث عن الكفاءة والسرعة، فضلا عن المضي قدما وبخطى ثابتة في خطط التحول الأخضر والاستدامة كعنصر تنافسي إستراتيجي مهم يجذب الشركات العالمية التي تعتمد وتفضل سلاسل إمداد منخفضة الانبعاثات الكربونية، وكل ذلك يسهم بشكل مباشر ومؤثر في ترسيخ مكانة الأردن كممر عبور (ترانزيت) إقليمي آمن وموثوق، بالاستفادة من الموقع الجغرافي الإستراتيجي للعقبة كبوابة رئيسة للمنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك