تحتضن العاصمة المصرية القاهرة، يوم السبت المقبل، أعمال جولة مستجدة من المباحثات السياسية والأمنية الرامية لتفصيل مسارات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وعقد جلسات موسعة بحضور الأطراف الوسيطة مع الممثل الأعلى لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، وفقًا لمصادر خاصة لقناة «الغد».
وتتركز المساعي المصرية بالدرجة الأولى على جسر الهوة بين مواقف الأطراف حيال استحقاقات المرحلة الثانية من الرؤية التي طرحها رئيس الولايات المتحدة الأميركية، دونالد ترمب.
وتجمع هذه الجولة من المفاوضات وفودًا رسمية من مصر، وقطر، وتركيا، إلى جانب قيادات تمثل طيفًا فلسطينيًا واسعًا، وتتركز أجندة العمل حول بلورة محددات عملية لتطبيق «خطة غزة»، وتفكيك العقد الشائكة المرتبطة بملفات الانسحاب الميداني، ونزع السلاح، واللجنة الوطنية لإدارة غزة.
قال سفيان أبو زايدة، الوزير السابق والخبير في الشؤون الإسرائيلية، لـ«الغد»، بأن الاجتماعات الراهنة تكتسب أهمية بالغة كونها تمثل امتدادًا للقاءات عُقدت قبل نحو ثلاثة أسابيع، وشملت الفصائل والوسطاء، إلى جانب نيكولاي ملادينوف الممثل الأعلى لمجلس السلام.
وأوضح أبو زايدة أن الجولات السابقة شهدت خلافات حول الورقة المطروحة من ملادينوف، والتي يراها الأخير والوسطاء صيغة كاملة ومتكاملة، رغم حاجتها للكثير من الإيضاحات.
وأشار إلى أن الفصائل التي سوف تجتمع في القاهرة ستبحث التطورات وتذليل العقبات، بالتزامن مع مشاورات مع الوسطاء لاستطلاع مقترحاتهم للوصول إلى صيغة تضمن الاستمرار في تنفيذ الاتفاق، فضلاً عن الاجتماع مع ملادينوف للوقوف على ما لديه من أفكار جديدة.
وذكر أبو زايدة أن مجلس السلام، عبر ممثله ملادينوف، يسعى للوصول إلى المحطة الأخيرة المتمثلة في تخلي حركة حماس عن سيطرتها الأمنية والإدارية على قطاع غزة، وذلك بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803، والورقة التي قدمها ملادينوف المكونة من 15 نقطة، والتي تعد آلية تنفيذية للقرار المبني بدوره على النقاط الـ 20 التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وأضاف أن تحقيق هذه النقطة يتطلب تقديم ضمانات من مجلس السلام والوسطاء لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاق وفقًا للقرار 2803، لافتًا إلى أن إسرائيل لم تقدم أي التزام حتى الآن، ولا توجد ثقة في تعهداتها.
وأوضح أن حماس تربط ملف السلاح في غزة - وهو المحور الأساسي لإسرائيل ومجلس السلام - بالأفق السياسي والحل الوطني، وهو موقف يتعارض مع رؤية مجلس السلام والقرار 2803، مما يجعل هذه التعقيدات المحور الرئيس للاجتماعات الحالية.
وشدد الوزير السابق على ضرورة استمرار المحاولات نظراً لخطورة البدائل على كافة الأطراف، لا سيما الجانب الفلسطيني، مبيّنًا أن إسرائيل قادرة على التعايش مع عدم تطبيق الاتفاق، وستكون مستفيدة في حال رفض حماس لبنوده المرتبطة بآليات التعامل مع السلاح.
وأشار إلى أن الترتيبات الخاصة بقدوم اللجنة الوطنية وآليات دمج العناصر المدنية والشرطية والأمنية التابعة لحماس ضمن الجهاز الإداري الجديد لا تزال بحاجة إلى توضيحات دقيقة.
وفي قراءته لمواقف حماس، أشار أبو زايدة إلى تصوير الحركة لملف السلاح كذريعة إسرائيلية لاستمرار العمليات العسكرية، مضيفًا أن تقديرات حماس ترتكز على المشهد الإقليمي المتصل بالتوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، واضطرار إسرائيل لخفض سقف تطلعاتها والتفاوض مع لبنان، بجانب اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المزمع عقدها في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، مما يدفعهم لعدم تقديم تنازلات، مراهنةً على رحيل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية.
وفي المقابل، نبه الخبير في الشؤون الإسرائيلية إلى طبيعة البدائل المتوقعة في الحكومة الإسرائيلية القادمة، والتي ستضم أقطابًا بارزة مثل غادي أيزنكوت، ونفتالي بينت، وأفيغدور ليبرمان المرشح لتولي حقيبة الدفاع أو المالية، مذكّرًا بأن ليبرمان كان قد تقدم بمشروع رسمي عام 2016 لخوض عملية عسكرية واسعة لاقتلاع حماس من غزة، مما يعكس طبيعة التحدي الاستراتيجي القادم بعد أحداث السابع من أكتوبر /تشرين الأول.
وفي الشأن الداخلي، تطرق أبو زايدة إلى الأنباء المتداولة حول تأسيس مجلس السلم الأهلي في بيت لاهيا، معبرًا عن وجود خشية حقيقية لدى سكان شمال القطاع من حدوث حالة فوضى عارمة، خاصة في ظل القناعة بأن استمرار سيطرة حماس يمنح الاحتلال الإسرائيلي المبرر لمواصلة الاغتيالات والحصار ومنع إعادة الإعمار.
وأشار إلى أن مبادرة بيت لاهيا تسعى لحماية النسيج المجتمعي ومنع الانفلات الأمني الذي قد يتعمم على باقي مناطق القطاع، محذرًا من أن وصول الأوضاع إلى حالة الاقتتال الداخلي يمثل هدفًا إسرائيليًا لفتح الباب أمام مخططات التهجير.
وتنعقد لقاءات القاهرة المرتقبة في ظل أجواء ميدانية وسياسية شديدة الحساسية، فإن التحرك المصري الجديد جاء مدفوعًا بتطورين بارزين، الأول يعود إلى تزايد قلق القاهرة من احتمالات استئناف القتال الشامل وتمرير خطط تهجير سكان قطاع غزة نحو الأراضي المصرية، لا سيما عقب المواقف الأخيرة الصادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، أما التطور الثاني فيرتبط بالمساعي الإقليمية الرامية لإبرام تفاهمات مع إيران تشمل الجبهة اللبنانية وحزب الله.
وتتجه الرؤية المصرية نحو حسم ملف السلاح كخطوة أولى لقطع الطريق على الذرائع الإسرائيلية الرامية لتوسيع نطاق الاحتلال.
وشهدت الجولات التفاوضية الأخيرة، التي جرت عبر قنوات غير مباشرة منذ 14 مارس /آذار، تعثرًا ملموسًا بعد جولات من النقاشات بين المسؤولين الفلسطينيين وملادينوف.
وتمحورت الخلافات حول خطة ملادينوف المكونة من 15 نقطة، والتي تم صياغتها في إطار اللجنة الإدارية الفلسطينية لتنفيذ قرار مجلس الأمن، وتنص الخريطة على تطبيق التزامات وقف إطلاق النار الفوري، وفتح المعابر، وتطبيق البروتوكول الإنساني، مع تشكيل قوة دولية للاستقرار تشرف على الحوكمة وإعادة الإعمار وضمان إبعاد الفصائل عن المشهد الإداري، إلى جانب سحب متدرج للسلاح وتسليمه للجنة إدارة القطاع وفق جدول زمني تشرف عليه أطراف دولية، ويربط الانسحاب الإسرائيلي ومراحل إعادة الإعمار بمستوى التقدم في نزع السلاح.
وفي المقابل، أبدت حماس قلقًا حادًا تجاه هذه الآليات، مقترحة معالجة قضية السلاح عبر إطار توافق وطني يشمل السلطة الفلسطينية ويفضي لتشكيل حكومة تكنوقراط موحدة.
واتهم المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، نيكولاي ملادينوف بالمساهمة في تعقيد الملف عبر ربط القضايا الإنسانية وإعادة الإعمار بمسار نزع السلاح، مؤكدًا أن اتهامات الحركة برفض تسليم الحكم «عارية عن الصحة» وتتعارض مع رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وجاء ذلك بالتزامن مع تلويح «لجنة التوازن» عبر وثيقة نشرتها صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بأنها لن تلزم تل أبيب بتعهدات التهدئة والالتزامات الإنسانية ما لم توافق حماس على إطار نزع السلاح المقترح، معتبرة الالتزامات لاغية في حال انقضاء سقف زمني محدد.
وتتزايد المؤشرات حول رغبة الجانب الإسرائيلي في الانقلاب على التفاهمات، حيث حددت الحركة تحفظات في ثلاثة محاور تشمل عدم التزام الاحتلال بالاتفاق وعودته لعمليات القصف اليومي، وغياب الضغوط الحقيقية من مجلس السلام برئاسة دونالد ترمب، فضلاً عن الصمت الدولي إزاء سياسة التجويع.
واعتبر المتحدث حازم قاسم أن إعلان بنيامين نتنياهو السيطرة على 70% من أراضي القطاع، وتصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس حول خطة «التهجير الطوعي» وتصاعد الاغتيالات، يمثل تقويضًا كاملاً لاتفاق 10 أكتوبر /تشرين الأول، الماضي الذي يواجه هشاشة مستمرة أسفرت عن مقتل أكثر من 800 فلسطيني جراء الغارات المستمرة منذ توقيعه.
وفي السياق ذاته، توقع الكاتب الإسرائيلي غدعون ليفي، في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» الأحد، أن تتجه تل أبيب نحو تفعيل خطط التهجير كخطوة تالية لعمليات التدمير الممنهج.
وكتب ليفي، «من يعتقد أنه ليس لدى إسرائيل خطة لليوم التالي في غزة فإنه يرتكب خطأ فادحًا»، مبيّنًا أن تل أبيب تتحرك بثقة لتحويل سكان القطاع إلى مجتمع من الجرحى والمشردين والمحرومين من مقومات الحياة بشكل دائم للوصول إلى هدف التهجير، وسط تقديرات في الإعلام العسكري الإسرائيلي بعودة الجيش للسيطرة الميدانية على محور «نتساريم» الاستراتيجي لقطع أوصال القطاع والتحكم في شارع صلاح الدين وحركة الأفراد والبضائع.
القراءة الإسرائيلية للمفاوضاتوتشترط الحكومة الإسرائيلية إنهاء الوجود المسلح لحركة حماس والفصائل الفلسطينية وإقصائها عن الإدارة المدنية كشرط مسبق وبند غير قابل للتفاوض قبل البدء في تنفيذ التزامات المرحلة الأولى، والتي تطالب حماس بتطبيقها كاملاً بما يشمل الانسحاب خلف الخط الأصفر، وإدخال 600 شاحنة إغاثية يوميًا، وإعادة تشغيل معبر رفح، وعبور المعدات الثقيلة لرفع الأنقاض، وتمكين اللجنة الوطنية الفلسطينية من تسلم مهامها.
وعلى الرغم من الانسداد التفاوضي، وصف نيكولاي ملادينوف محادثاته مع نتنياهو في القدس يوم الثلاثاء، بأنها «إيجابية وموضوعية»، مشيرًا إلى أن الجهود مستمرة لترجمة التعهدات إلى خطوات ملموسة، ومضيفًا، «هذا يتطلب اتخاذ قرارات لتحقيق التقدم، سنواصل المضي قدمًا من أجل مستقبل أفضل للإسرائيليين والفلسطينيين»، في وقت تشير فيه التقارير الإعلامية إلى أن الجيش الإسرائيلي يضع الترتيبات الميدانية لشن هجمات جديدة مراهنًا على تراجع القيود الدولية عقب إنهاء ملف الأسرى الإسرائيليين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك