عندما يتعلق الأمر بالكتابة عن الوطن، هنالك ثلاثة أصناف من الكتاب: كتاب يكتبون للوطن ومن أجله، وكتاب يكتبون لذواتهم، وكتاب يلعبون على الحبال.
وإذا كان الصنف الأول والثاني مكشوفين تماما لأنهما لا يخفيان شيئا، ولا يخافان من الإعلان عن نفسيهما، فإن الصنف الثالث زئبقي لم يقف له عند وقفة قط، لذلك هو خطر على الجميع: الوطن والحزب والطائفة والناس، لأنه يستعصي على التصنيف، تعود على اللعب على الحبال وأتقن فنون الاحتيال، وماهر في القدرة على الانتقال من موقع إلى آخر كلما دعت المصلحة، لذلك يمكن لهذا الصنف أن يكتب عن الوطنية وهو في موقع مضاد، وعن الشفافية وهو موقع الشبهة، وعن القومية وهو في موقع الانعزال، وعن الوحدة وهو في موقع التفتيت، وعن القيم وهو في موقع الفساد، وعن الإيمان وهو في موقع الكفر.
وقد يلجأ إلى المديح المجاني المفضوح المكشوف، وقد تزداد جرعة النفاق لديه عن الحد ليتحول إلى ممارسة الدجل في استدرار العواطف أو استدراج الناس إلى مواقع الهزيمة والخسران، لأن النفاق في أبسط معانيه محاولة مكشوفة للكذب، أو بحث مستمر عما يمكن للوطن أن يقدمه لهم، لا ما يجب أن يقدموه له، متناسين أن الوطن أعظم من أن يكون حفنة تراب، وأعظم من أن يكون كنزًا من المغانم العابرة، وأعظم من أن يكون خارطة أو كتاب تاريخ، لأنه باختصار كرامة وحرية وبيت وعائلة ومجموعة حقوق وواجبات، وهو بالتالي انتماء وارتواء وقناعة راسخة في العقل والقلب، وبدون ذلك لا يعود الوطن وطنًا.
لذلك، فالوطن بحاجة إلى من يكتب عنه بروح الوطن وبمنطق الوطن وبمصلحة الوطن، وبلغة الناس الطيبين الذين يكدحون كل يوم لأجل أن يستمر الوطن في التاريخ، بعيدًا عن الكائنات التي تسرق مشاعر الناس وأحلامهم وتتاجر بها، باسم الدين تارة أو باسم السياسة تارة أخرى أو باسم المصلحة في معظم الأحيان.
الوطن باختصار يحتاج إلى الكاتب الذي يحتضن أشواق الناس وأحلامهم بصدق وتعاطف، ولا يحب التسكع على أرصفة الكلمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك