كان ذلك بين العامين 1920 - 1921، في وقت كانت فيه الثورة البلشفية الروسية قد حققت انتصارها الكبير وتغييرها المذهل لمسيرة التاريخ بينما يدفع الشعب الروسي الثمن غالياً وسط حماسة للمثقفين وتطلعهم إلى تغيرات في سبل الإبداع وأساليب تتماشى مع" الحدث الكبير".
ونعرف طبعا أن فلاديمير ماياكوفسكي (1893 - 1930) كان في ذلك الحين ورغم صغر سنه، واحداً من أكثر المبدعين، في الشعر والمسرح على الأقل، تأثيراً وحماسة.
وهي أبعاد لا شك أن القصيدة الضخمة التي كتبها في ذلك الحين بعنوان" 150 مليونا"، قادرة على التعبير عنها أكثر مما يفعل أي عمل إبداعي سواء كان من توقيع ماياكوفسكي أو غيره.
في اختصار، كان ثمة في الجو" حماسة تعمي العيون" بحسب تعبير واحد من نقاد تلك المرحلة.
ويقيناً أن تلك القصيدة تمكنت من الاستحواذ على مكانة فريدة ليس فقط بتجديداتها الشكلية، وهي كانت كثيرة بالتأكيد، لكن بأبعادها السياسية وقد نقول اليوم سياسية - أيديولوجية - تعبوية.
ولعل الظرف الذي ظهرت فيه القصيدة مدعية التعبير عنه، هو ما أعطاها هذا البعد جاعلاً من تيارها الشكلاني البحت المرتبط بالنزعة المستقبلية التي كان ماياكوفسكي زعيمها، غير ذي أهمية بالنسبة إلى ملايين من قراء رأوا فيها رداً من ناحية على مؤتمر فرساي الذي يسعى لهيمنة الغرب، المنتصر في الحرب العالمية الأولى، على العالم؛ والتمجيد بفضل ذلك على الثورة الروسية المظفرة.
ففي سبيل التصدي لما سمي حينها أيضا" الاستكبار العالمي" كل شيء يفيد بما ذلك التوغل في تيار أدبي شديد الغموض والسذاجة أيضاً.
والسذاجة تحديداً لأن الأوساط الإبداعية الروسية في ذلك الحين أبدت سرورها إذ وجدت أن قصيدة ماياكوفسكي الجديدة، وبصرف النظر عن" مستقبليتها" الموعودة، إنما تضع نهاية للتيارات الرومانسية والرمزية التي ربطت بالرجعيات البائدة والبورجوازيات المولية الأدبار.
على هذا النحو إذاً، سعى ماياكوفسكي إلى تمرير تياره عبر قصيدة أقل ما يمكننا أن نقول عنها اليوم إنها شديدة الديماغوجية وباتت على أية حال منسية ما إن انتهت الفورة التي صاحبت ظهورها للمرة الأولى ونسي ما فاقم حدثها من كآبة كاتبها خلال السنوات التالية، قبل أن يقدم على الانتحار.
غير أن هذا البعد الأخير ليس هو أهم ما في الأمر.
المهم هنا هو أن العنوان يحيل مباشرة إلى عدد سكان روسيا وملحقاتها في ذلك الحين.
وهؤلاء الـ150 مليوناً من المواطنين هم في القصيدة كتلة واحدة بحسب الشاعر الذي جعل لهم بطلاً فرداً يحكي باسمهم ويدعى، طبعاً، إيفان.
أما عدوهم الرئيس فهو الغرب معبراً عنه بالرئيس الأميركي ويلسون الذي يمضي وقته وهو يخضع للتدليك ويتحدث بالكاد إلى شريكه الإنجليزي لويد جورج.
وهكذا في قصيدته يحدد الشاعر الثوري جبهتي المعركة ويمكننا أن نتصور بالطبع إلى أي الجانبين يميل.
وهو يعرف على أية حال أن قصيدته هذه، ومهما كان من شأن طموحها وغرابتها، ستكون ذات مكانة كبيرة غير ساهٍ عن باله أنها تجمع بين الشعر والدعاية الثورية والأسطورة الحديثة.
وذلك، في" لحظة كان فيها الخيال الثوري يسعى إلى إعادة تشكيل العالم، ليس سياسياً بل فنياً أيضاً".
حتى وإن كنا نعرف أن الرقم 150 مليوناً له خلفيته الواقعية، فإن الشاعر لا يستخدمه بوصفه إحصاء، بل بوصفه كياناً أسطورياً جماعياً.
الشعب هنا ليس مجرد مجموعة هائلة من الأفراد، بل بطل ملحمي ضخم، قوة طبيعية يمكن أن تكون غير محدودة.
وفي المقابل، وكما أشرنا، يضع الشاعر شخصية العدو بأبعاد رمزية، أي صورة الرئيس ويلسون بوصفه رمزاً للرأسمالية الغربية، وهكذا تتحول القصيدة إلى صراع كوني بين 150 مليوناً وخصم واحد.
بين الجماعة من جهة والتجسد الفردي للسلطة من الجهة الثانية.
فنياً، وكما أسلفنا تنتمي القصيدة إلى روحية الطليعة الروسية حيث تتكسر الأوزان وتتوه الإيقاعات في سرد خطابي صاخب.
فماياكوفسكي لا يكتب هنا شعراً هادئاً بل يصرخ ويبالغ ويكدس الصور خالقاً عالماً لغوياً متفجراً.
وهو أسلوب يسعى من خلاله إلى خدمة الفكرة الأساسية: ليست الثورة حدثاً عادياً، بل انفجار كوني يتطلب لغة تتجاوز المألوف.
بيد أن علينا الإقرار بأن الحماسة ليست الأمر الوحيد الذي يميز هذه القصيدة الطويلة، بل هناك أيضا وبصورة خاصة توترها الداخلي.
فبينما تبدو القصيدة، في رأي النقاد وكأنها تمجيد مطلق للجماعة، يمكن أن نلاحظ فيها قلقاً خفياً: فهل يمكن حقاً اختزال ملايين البشر في صوت واحد؟يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وهل يمكن أن يتحول الفرد داخل هذه الكتلة إلى مجرد رقم؟ نعرف أن ماياكوفسكي ورغم اندفاعه الثوري أول الأمر على الأقل، كان دائماً ممزقاً بين إيمانه بالجماعة وحساسيته الفردية كشاعر.
والحقيقة أن" إنسانية" هذا النص تتجلى -ويا للمفارقة! - في هذه المبالغة نفسها.
فحين يجعل الشاعر الشعب كائناً عملاقاً فإنه يكشف في الوقت نفسه عن حاجة الإنسان إلى الأسطورة كي يفهم ذاته في لحظات التحولات الكبرى.
في المقابل يضفي حضور شخصية الرئيس الأميركي ويدرو ويلسون على النص بعداً كاريكاتيرياً حيث يتحول الصراع السياسي إلى واجهة أسطورية مبسطة.
والواقع أن هذا التبسيط ليس ضعفاً فنياً بقدر ما هو جزء من منطق القصيدة: هي ليست تحليلاً منطقياً بل نشيد تربوي أقرب إلى الملحمة الشعبية منه إلى التأمل الشعري.
مهما يكن من أمر يمكن قراءة هذه القصيدة بوصفها وثيقة شعرية عن لحظة تاريخية آمنت فيها الجماهيري بقدرته على إعادة خلق العالم.
لكنها أيضاً تكشف حدود هذا الإيمان إذ أن تحويل الشعب إلى" بطل فرد" يحمل في طياته خطراً هو محو التعقيد الإنساني لصالح صورة ملحمية مبسطة.
وهنا بالتحديد تكمن قوة القصيدة في أنها لا تعكس نشوة الثورة وحسب، بل تلمح أيضاً إلى قيمتها الرمزية.
ومن هنا قد يكون من الممكن إنصافاً للشاعر على الأقل، أن نقول إن قصيدته هذه تظل عملاً مفتوحاً على قراءات متعددة: كنشيد ثوري وأسطورة حديثة وتأمل غير مباشر في علاقة الفرد بالجماعة في زمن التحولات الجذرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك