قبل سقوط جدار برلين، كتب فوكوياما مقالته الشهيرة التي أعلن فيها نهاية التاريخ وانتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية بوصفها الشكل النهائي للحكم الإنساني.
بمعنى آخر، إن التاريخ -حسب رأيه- وصل إلى محطته الأخيرة، وإن الصراع الكبير انتهى.
لكن التاريخ، وعلى عادته طبعا، لم يعر اهتماما لفكرة فوكوياما.
ففي الثامن والعشرين من فبراير/شباط، اخترقت عشرات القنابل والصواريخ سماء طهران، مستهدفة رجلا أمضى عقودا يكمل بناء مشروع الثورة الإسلامية التي بدأها سلفه الراحل آية الله الخميني عام 1979، وهو مشروع أيديولوجي على النقيض التام مما بشر به فوكوياما، مشروع يقول إن التاريخ لم ينته، وإن الصراع لم يحسم، وإن المستضعفين لم يقبلوا بعد بنتيجة المعركة.
وعندما أعلن التلفزيون الإيراني رحيل خامنئي، ساد الاعتقاد بأن المحور سقط كاملا، فهل سقطت المقاومة؟فوكوياما لم يقل إن الأحداث ستتوقف، بل قال إن البدائل الأيديولوجية الكبرى قد استنفدت.
وبالمنطق ذاته، من يظن اليوم أن القنابل التي سقطت على طهران قد استنفدت فكرة المقاومة، فإنه يرتكب الخطأ المنهجي نفسه، وهو الخلط بين موت الشكل وموت الفكرة.
الأفكار لا تموت بالاغتيال.
بل تتحول إلى أسطورةوما سقط في طهران لم تكن المقاومة كفكرة، بل نموذجها الأساسي: ذلك الهيكل المركزي الذي بنى هندسته على قائد يخطط، وقائد ينفذ، وعقيدة واحدة تسمى وحدة الساحات، وحلفاء يمتدون من بيروت إلى صنعاء مرورا ببغداد ودمشق، وتستمد شرعيتها من عدو يزداد توسعا وتطرفا وتغولا.
هل المقاومة إذن مجرد تحالف بين فصائل، أم هي قانون من قوانين الطبيعة البشرية حين يكون ثمة عدوان؟الجواب يرسمه الشرق الأوسط الآن، بخطوط لم يتوقعها فوكوياما نفسه: فسيفساء تتشكل من أربع قطع مستقلة تقاوم بلا مركز ثقل مشترك، وتبني شرعيتها من داخلها، وتثبت أن الطبيعة تكره الفراغ، وأن العدو يستدعي المقاومة بقوانين لا يملك أحد إلغاءها.
ومن يملأ هذا الفراغ ربما لن يكون محورا جديدا بالضرورة، بل نموذجا آخر.
وفرت لحظة الـ7 من أكتوبر لإيران أول فرصة حقيقية لتطبيق مفهوم المحور، بما يعنيه من التفعيل المتزامن والمنسق لكل الجبهات ضد إسرائيل في الوقت نفسه، لكنها في النهاية فشلت في استخدام شبكة حلفائها لإجبار إسرائيل على وقف القتالمحور المقاومة لم يكن تحالفا بين دول بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بل كان فكرة شكلت امتدادا لمفهوم الثورة الإسلامية بمعناها الأشمل.
طالما أن العدو واحد والديانة واحدة، فكانت مشروعا سرديا يتخطى بعده المذهبي إلى إطاره الإسلامي الأوسع، يوحد الهش والصلب، ويقنع المستضعفين بأنهم يخوضون معا، كتفا إلى كتف، معركة الأمة المصيرية جمعاء.
لأكثر من 30 عاما، طورت إيران تحت قيادة قائدها الراحل هندستها النابعة من صلب فكرة الثورة الإسلامية عبر رعاية وتنمية ودعم سردية" المقاومة"، فشكلت محورا كان يضم حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وسوريا والحوثيين وفصائل عراقية.
وهذا المحور شكل بطبيعة الحال أوراق ضغط متوازية ورادعة في مواجهة واشنطن وإسرائيل وبعض العواصم العربية، إلى الحد الذي بات أعضاء المحور -بمنظور الآخرين- مجرد أذرع تأتمر بأمر الولي الفقيه.
أما اليوم، وبعد عملية طوفان الأقصى، مرورا بالعدوان الإسرائيلي في سبتمبر/أيلول على لبنان، واغتيال نصر الله، وسقوط نظام الأسد في سوريا، وحرب الأيام الـ12، وصولا إلى اغتيال خامنئي، تلاشت تلك الهندسة التي ولدت كنجمة لامعة، وماتت بعد امتحانات مهلكة.
وفرت لحظة الـ7 من أكتوبر لإيران أول فرصة حقيقية لتطبيق مفهوم المحور، بما يعنيه من التفعيل المتزامن والمنسق لكل الجبهات ضد إسرائيل في الوقت نفسه، لكنها في النهاية فشلت في استخدام شبكة حلفائها لإجبار إسرائيل على وقف القتال.
وعلى العكس من ذلك، انتقلت إسرائيل من الدفاع إلى الهجوم المباغت، فقضت على قيادات حزب الله وحماس والحرس الثوري، وجزء كبير من قدراتهم العسكرية.
ما جرى بالتحديد لم يكن إخفاقا عسكريا فحسب، بل كان إخفاقا بنيويا حاسما.
حزب الله أطلق نيرانا منضبطة على الحدود الشمالية، ولم يفتح الحرب الشاملة، واضطر الحزب للخروج من المعركة قبل نهاية الحرب في غزة، خلافا لما كان يعلنه صراحة من أنه لن يوقف حربه قبل توقفها هناك، وذلك بعد اغتيال قائده الكاريزمي، وتلقيه ضربات هائلة كادت تودي به.
أما الفصائل العراقية فحسبت كلفة الرد الأمريكي والاستقرار العراقي الداخلي الهش، وتراجعت.
كانت وحدة الساحات موجودة، لكن كلغة توحد الخطاب أكثر منها كفعل يثبت نجاعته وردعه في وجه العدو.
حين جاءت اللحظة الفاصلة، كشفت كل ساحة عن تعقيداتها التي تركت دون معالجة ناجعة: حسابات ومصالح محلية متشابكة، وخلافات أهلية، وغياب للإجماع الداخلي في مختلف الساحات، فضلا عن تكاليف باهظة دفعها أهل كل ساحة على حدة.
بعد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في نهاية فبراير/شباط، هددوا -الحوثيون- بالتدخل عبر قطع مضيق باب المندب الإستراتيجي، وكان قرارا قد اتخذوه وحدهم ووفقا لمصالحهم الجيوسياسية الخاصةالفسيفساء: أربع قطع.
أربع مناطقحزب الله: الضربة التي لا تقتلك هل تجعلك أقوى؟خسر حزب الله الكثير من بنيته العسكرية والبشرية.
اغتيلت غالبية قياداته، وعلى رأسهم زعيمهم التاريخي نصر الله، وباتت الحكومة اللبنانية الآن تضغط بجدية، مدعومة بزخم خارجي مهول، لنزع سلاحه، معلنة رغبة جادة في حصر السلاح بيدها، دون تقديم أي بديل جدي يقنع الحزب، الذي يعتبر أن المقاومة -ولو بالأظافر، على حد تعبير أمينه العام الحالي- واجب شرعي وأخلاقي ووطني.
أما الأهم من الخسائر العسكرية والبشرية فهو التحول السياسي.
حزب الله يتفاوض اليوم مع الجميع، ويقبل بإزالة السلاح جنوب الليطاني، لكنه يرفض رفضا قاطعا الالتزام الأشمل، وهو تسليم السلاح، لغياب أي بديل فعلي يحميه ويحمي بلاده، خصوصا في ظل تهديدات شرسة وعدوانية على الحدود باختلافها.
لذلك نرى بوضوح تحوله من لاعب إقليمي مؤثر إلى مقاومة محلية هدفها الدفاع عن نفسها وأهلها وأرضها.
حماس: حرب فلسطينية لم تكن يوما إيرانيةتمثل حماس نموذجا فريدا في علاقتها مع طهران.
فرغم الاختلاف المذهبي ورفضها الاستجابة لطلب إيران بدعم النظام السوري، استمرت العلاقة قائمة على قضية فلسطين، على عكس الولاء العقائدي مثل حزب الله.
الحركة خاضت حربها من منطق فلسطيني محض، لا من منطق المحور.
وحين انتهت معركة طوفان الأقصى، كانت تفاوض وحدها، وتتخذ قراراتها وحدها.
المحور كان في خلفية الصورة، لا في مركز القرار.
الحوثيون: الأكثر استقلالية والأشد صموداباتوا آخر من رفع شعار وحدة الساحات بعد تراجع حماس وحزب الله، لكنهم يفعلون ذلك بمنطق يمني خالص.
قاتلوا في البحر الأحمر، وتوقفوا حين توقفت حرب غزة، واستأنفوا حين اشتعلت حرب إيران مرة أخرى.
فبعد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في نهاية فبراير/شباط، هددوا بالتدخل عبر قطع مضيق باب المندب الإستراتيجي، وكان قرارا قد اتخذوه وحدهم ووفقا لمصالحهم الجيوسياسية الخاصة.
الحوثي لا يحتاج إلى مرشد يأذن له، وهذا بالضبط ما يجعله الأخطر في الفسيفساء وأصعبها في الاحتواء.
الفصائل العراقية: انكفاء هادئ بانتظار الفرصةمن بين قطع الفسيفساء الأربع، الفصائل العراقية هي الأكثر تعقيدا.
ارتبطت بطهران بشكل عضوي، وكانت تتلقى التمويل والتسليح والتوجيه والأدلجة.
وحين جاءت الضربات الأمريكية عليها، انكفأت بشكل ملحوظ، ولم يكن قرارها إستراتيجيا، بل لأن الكلفة تجاوزت ما تستطيع تحمله بمفردها.
العراق يواجه اليوم انقسامات حادة بين من يريد الإسناد ومن يريد الدولة، في جدل لم يحسمه محور المقاومة حين كان في عزه.
الفصائل موجودة، لكنها تنتظر، وهذا الانتظار شكل من أشكال الاستقلالية أيضا، ولكن من الفوضى كذلك.
بناء على ما سبق، يمكن القول إن الفسيفساء ليست خيارا اتخذته هذه الفصائل، بل هي حتمية تاريخية، وقد فرضتها ثلاثة قوانين لا تقبل الاستثناء أو الفصل:القانون الأول: طالما هناك احتلال وعدوان، ستكون هناك مقاومة، وهذه ليست أيديولوجيا، بل رد فعل طبيعي.
ولكن بعد انهيار المحور، لن تكون المقاومة موحدة بالضرورة، بل ستكون متعددة الأشكال، كتعدد الساحات المختلفة.
حماس تقاوم بمنطق فلسطيني، وحزب الله يقاوم بمنطق لبناني، والحوثي يقاوم بمنطق يمني، والعراقيون يقاومون وفق منطقهم الخاص كذلك.
ما انتهى هو نموذج إعادة البناء الموحد والجامع، لكن الدوافع التي أنتجت المحور ووحدته لا تزال حية في كل ساحة.
القانون الثاني: الطبيعة تكره الفراغ.
اغتيال خامنئي مثل قطع الرأس السياسي والديني للجمهورية الإسلامية في آن واحد، ولكن رحل خامنئي وجاء خامنئي أكثر شبابا وتصميما وتشددا، ما يعني التحرر أكثر من عديد الضوابط والموانع التي قيدت قرارات خامنئي الأب بشكل منهجي.
كل فصيل كان يستمد شرعيته من المشروع الجامع، سيجد نفسه مضطرا الآن لاشتقاق شرعيته من الداخل: من أرضه، ومن شعبه، ومن جرحه المحلي، وهذا أصعب وأعمق وأعقد، لكنه في الوقت نفسه أكثر استدامة بطبيعة الحال.
القانون الثالث: الاستقلالية تنتج المرونة.
كانت قوة المحور تتمثل في توحيد الضغط وتركيزه، أما ضعفه فكان في أن ضرب الرأس سيشل الجسد كاملا.
الفسيفساء المستقلة لا رأس لها لكي يضرب، وهذا بالضبط ما يجعلها أصعب في المواجهة، وأكثر قدرة على التكيف مهما كانت قوة العدو، وأطول بقاء من أي محور مركزي.
حزب الله يواجه سؤال الدولة، والحوثيون يواجهون سؤال اليمن، والفلسطينيون -كما كان دائما- يواجهون السؤال الأصعب: أين فلسطين؟ أما الفصائل العراقية فتواجه سؤال أي عراق يريدون؟علمنا التاريخ أن البذور لا تموت، بل هي في حالة نمو لانهائي.
ومحور المقاومة لم ينته لأن أعداءه كانوا أقوى، بل لأنه بني بشكل هش فوق جذور متعددة ومتمايزة عن بعضها بعضا، وظن أن السردية المقنعة والمحبوكة تكفي لتكون مشروعا، وأن التنسيق العميق والمدروس يغني عن البناء المتين.
لكن الخطأ القاتل لم يكن في فكرة المقاومة، بل كان في نموذجها.
التاريخ لا يرحم الهياكل المستعارة.
فكل مشروع تحرري عظيم، من الجزائر إلى جنوب أفريقيا إلى فيتنام، نجح حين جذر نفسه في أرضه، وبنى شرعيته من شعبه، وجعل قراره نابعا من مصلحته، وفشل حين ارتدى جلدا لا يشبهه، وجعل انتصاره مشروطا ببقاء الرعاية الخارجية.
الفسيفساء التي ينكشف عنها الشرق الأوسط اليوم ليست هزيمة، بل هي فرصة قد لا تتكرر أبدا.
هي فرصة أن تقرأ كل ساحة جرحها بعيونها، وتعرف عدوها بمعاييرها وعقليتها، وتبني مقاومتها من داخلها وبأساليبها.
حين أعلن التلفزيون الإيراني أن رحيل خامنئي سيفتح صفحة جديدة في تاريخ العالم الإسلامي، فإنه قد قال الحقيقة من حيث لا يدري، لكن الصفحة الجديدة لن يكتبها من في طهران فقط، بل ستكتبها الفسيفساء المتشكلة نفسها مجتمعة، وكل قطعة بخطها الفريد.
البذرة لا تموت، لكنها لا تنبت إلا حين تجد تربتها الحقيقية.
والتربة الحقيقية ليست الشعار، ولا الراعي، ولا مقر العمليات المشتركة.
التربة هي الشعب الذي يقرر أن يقاوم لأنه اختار ذلك من تلقاء نفسه.
هذا هو الخلاص الوحيد الممكن، وهو يبدأ باعتراف واحد بسيط وعسير في آن معا: أن ما مضى لم يكف، وأن البناء من الداخل هو الطريق الوحيد الذي لم يجرب حتى النهاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك