في تجارب الدول، كثيرًا ما يبرز رجال يصنعون أدوارهم بعيدًا عن الصخب، يفضلون التأثير على الظهور، ويتركون بصماتهم في طريقة إدارة المشهد، لا في مجرد حضوره.
وفي وزارة الداخلية المصرية، يبرز اسم اللواء ناصر محيي الدين، مساعد وزير الداخلية لقطاع الإعلام والعلاقات العامة، كأحد هؤلاء الذين أعادوا تعريف موقعهم، فانتقلوا به من هامش التفسير إلى صلب صناعة القرار.
لم يعد الإعلام الأمني، كما كان يُنظر إليه في السابق، وظيفة تالية للحدث، تُصدر بيانًا أو توضح ملابسات، بل أصبح — في التجربة الراهنة — جزءًا لا يتجزأ من بنية العمل الأمني ذاته.
وهنا تحديدًا، يمكن فهم الدور الذي يلعبه ناصر محيي الدين، ليس باعتباره ناقلًا للمعلومة، بل مديرًا لمنظومة متكاملة تبدأ من الرصد ولا تنتهي عند الإعلان.
ومن خلال هذه المنظومة، لم تعد وزارة الداخلية، تحت قيادة اللواء محمود توفيق، تنتظر ما يُعرض عليها من وقائع، بل أصبحت تلاحق الحدث في لحظته الأولى، خاصة في فضاء التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الحقيقة بالانطباع.
تُرصد الوقائع، وتُفحص، وتُحدد مواقعها، ثم تتحرك الأجهزة المعنية على الأرض، في مسار يبدو أقرب إلى غرفة عمليات مفتوحة لا تنام.
وفي الخلفية، تعمل منظومة إعلامية قادرة على تحويل هذه الحركة إلى رواية دقيقة تصل إلى الرأي العام دون ارتباك أو تأخير.
هذا التحول لم يكن عفويًا، بل نتاج رؤية يقودها اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، تدرك أن معركة الأمن لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بالمعلومة أيضًا.
فالشائعة، في زمننا، قد تُربك ما لا تُربكه الجريمة، والرواية الناقصة قد تُضعف ما لا تُضعفه الوقائع.
ومن هنا، جاء الحرص على أن تكون الكلمة الرسمية سريعة، دقيقة، وقادرة على سد فراغ المعلومات قبل أن تملأه التأويلات.
وقد نجح هذا النهج في بناء حالة من الثقة المتبادلة، إذ لم يعد المواطن في موقع المتلقي القلق، بل بات ينتظر الرواية الرسمية بوصفها مصدرًا موثوقًا، يعرف أنها تستند إلى معلومات ميدانية، لا إلى تقديرات أو انطباعات.
وهي نقلة نوعية تُحسب لمن أدركوا أن الأمن الحقيقي لا يكتمل إلا بطمأنينة الوعي.
وفي إدارة الأحداث الكبرى، يتجلى هذا الدور بوضوح أكبر.
فسواء تعلق الأمر بتأمين فعاليات وطنية كبرى أو متابعة الاستحقاقات الانتخابية، بدا الأداء وكأنه يُدار وفق رؤية مزدوجة: عين في الميدان تتابع التفاصيل، وأخرى في الإعلام تُقدم الصورة الكاملة.
وبينهما، يقف عقل يُنسق، ويُقدّر، ويُقرر متى تُقال المعلومة وكيف تُقال.
وعلى الصعيد الإنساني والمهني، تعاملت مع اللواء ناصر محيي الدين، بحكم عملي محررًا للحوادث في بوابة الأهرام، حيث أتيحت لي فرصة التعرف عليه عن قرب.
وخلال تلك الفترة، لمست حرصه الدائم على التفاعل مع القضايا الإنسانية، إذ لم يدخر جهدًا في التعامل مع الحالات التي تتطلب تدخلًا أو دعمًا، واضعًا البعد الإنساني في مقدمة أولوياته، بما يعكس فهمًا أوسع لدور المؤسسة الأمنية في خدمة المجتمع.
هكذا، يصبح اللواء ناصر محيي الدين نموذجًا لمسؤول يتجاوز حدود منصبه الوظيفي إلى تأثير أوسع يطال طريقة تفكير المؤسسة ذاتها.
فهو لا يدير مجرد قطاع، بل يُسهم في صياغة علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، تقوم على معادلة دقيقة: شفافية منضبطة، وسرعة محسوبة، ورواية مكتملة.
وفي النهاية، قد لا يكون هذا الدور هو الأكثر صخبًا، لكنه بالتأكيد من أكثرها تأثيرًا.
فالدول لا تُدار فقط بما يحدث على الأرض، بل أيضًا بكيفية تقديمه وتفسيره.
وفي هذه المساحة تحديدًا، يثبت ناصر محيي الدين أن الإعلام، حين يُحسن استخدامه، يمكن أن يكون أحد أهم أدوات الاستقرار، لا مجرد شاهد عليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك