لم يكن قرار رئيس المحكمة الابتدائية في تونس تجميد نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في 24 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان) مجرّد قرار قضائي، وإنّما هو تعبير عن خيار سياسي، بموجبه أحالت الحكومة التونسية ملفّ المنظّمة الحقوقية إلى أنظار الدوائر القضائية.
وقد سبق للسلطات التونسية أن منعت (5 ديسمبر/ كانون الأول 2025) وفد الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من زيارة ميدانية مبرمجة إلى السجن المدني بقفصة، كما منعت وفود الرابطة (12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025) من زيارة السجون المدنية ببلي (نابل) والناظور (زغوان) وبرج الرومي (بنزرت)، من دون تقديم أي تبرير قانوني أو إداري، رغم استيفاء جميع الإجراءات اللازمة، وإعلام المصالح المتخصّصة في الآجال المحددة، وذلك وفق بيان للرابطة صادر في ديسمبر 2025.
ويقول البيان أيضاً إنّ" زياراتها للمؤسّسات السجنية تتمّ استناداً إلى مذكّرة التفاهم المبرمة بين الرابطة ووزارة العدل منذ 10 يوليو/ تموز 2015، التي تُقرّ بدور الرابطة شريكاً وطنياً في مراقبة أماكن الاحتجاز".
ويضيف البيان أنّ" هذه الزيارات تندرج ضمن التزامات الدولة التونسية في مجال الوقاية من التعذيب، وترسيخ الشفافية، واعتماد الممارسات الفُضلى المعمول بها دولياً بإشراك منظّمات المجتمع المدني في متابعة أوضاع السجناء والموقوفين والتحقّق من مدى تمتّعهم بالحقوق المخولة لهم قانوناً".
ولفهم العلاقة المتوتّرة بين السلطات التونسية ورابطة حقوق الإنسان، لا بدّ من استذكار مواقف المنظّمة الحقوقية من المحطّات السياسية الرئيسة بعد الانقلاب الرئاسي الذي قاده الرئيس قيس سعيّد، انقلاب 25 يوليو (2021)، وتأسيس نظام سياسي جديد يضع جميع السلطات بين يدي رئيس الجمهورية، ويحوّلها إلى مجرّد وظائف، ويحول دون خضوعها للمؤسّسات الرقابية التشريعية والسياسية والمدنية.
فبعد أقلّ من شهر من إعلان الرئيس سعيّد الإجراءات الاستثنائية، صرّح السكرتير العام للرابطة، بشير العبيدي، يوم 21 أغسطس/ آب 2021، لإحدى الإذاعات المحلّية التونسية، معتبراً أنّ جملة الإجراءات التي أعلنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في يوم الانقلاب فيها حدّ من الحرّيات من قبيل حرّية التنقّل (الإقامات الجبرية والمنع من السفر)، والحدّ من الحرّيات الذاتية، والحدّ من الحرّيات الشخصية، وأنّ" هذه الإجراءات منافية للحرّية ولحقوق الإنسان".
وتحفّظت الرابطة، في بيانها المؤرّخ في 6 يوليو/ تموز 2022، على فصول كثيرة من الدستور المعروض آنذاك على الاستفتاء، وخصوصاً تمتيع نصّ الدستور، في فصله عدد 110، رئيس الجمهورية بحصانة تامّة أثناء وبعد انتهاء مهامّه، وهو ما اعتبرته الرابطة" فتح الباب أمام الإفلات من المساءلة القانونية"، كما أنّ الدستور الجديد" لا يتوافق مع ميثاق الرابطة ومرجعياتها الوطنية والدولية ومع نضال أجيالها المتواصل".
لم يكن موقف الرابطة من ترشّح الرئيس سعيّد لولاية ثانية، ومن الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، إيجابياًولم يكن موقف الرابطة من ترشّح الرئيس سعيّد لولاية ثانية، ومن الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، إيجابياً، فقد ندّد مجلسها الوطني المنعقد في نهاية سبتمبر/ أيلول من السنة نفسها بأداء الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، التي أصبحت، بحسب وصف البيان الصادر عن المجلس، " طرفاً غير محايد في العملية الانتخابية، تخدم بشكل مفضوح مصلحة الرئيس المنتهية ولايته عبر التضييق على منافسيه، وغضّ الطرف عن تجاوزاته"، واصفة يوم 6 أكتوبر بأنّه أقرب إلى البيعة منه إلى الانتخاب.
وفي تقريرها السنوي لسنة 2025 (265 صفحة)، شهد خطاب الرابطة تصعيداً واضحاً في نبرته المنتقدة سلطة الرئيس سعيّد، مشيراً (التقرير) إلى وجود" تصاعد في الملاحقات القضائية ضد المعارضين والنشطاء والنقابيين، وتكثّف في الحملات التحريضية والتشهيرية، واستمرار في الضغط على القضاء وإخضاعه"، وقد تزامن تصاعد وتيرة الملاحقات مع" تدهور خطير في أوضاع الاحتجاز، وتواتر شهادات الانتهاك وحالات الموت المُستراب فيه من دون فتح تحقيقات مستقلّة وجدية"، على حدّ قول التقرير.
وكان الخطاب الرابطي قد بلغ أوجه سنة 2023، عندما أصدرت رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان بياناً بالاشتراك مع منظّمات وقوى مدنية، منها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، ومحامون بلا حدود، بعنوان: " بيان مشترك: تونس لن تكون فاشية كما يريدها رئيس الجمهورية"، وذلك إثر صدور بلاغ عن رئيس الدولة، بعد اجتماع مجلس الأمن القومي بتاريخ 21 فبراير/ شباط 2023، المخصّص" لاتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة ظاهرة توافد أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين من أفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس"، معتبرة أنّ البلاغ الرئاسي تضمّن خطاباً فاشياً عنصرياً غير مسبوق، إذ اعتبر هذه الهجرة" ترتيباً إجرامياً جرى إعداده منذ مطلع هذا القرن لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس"، ودعت الرابطة الرئاسة التونسية إلى سحب بلاغها، بعد أن وصفته بـ" البلاغ الفضيحة".
ورغم حدّة مواقف الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من حكم الرئيس سعيّد، وآليات ذلك الحكم، ووصفه بالاستبدادي في منشوراتها وتصريحات قياداتها، ما يصنّفها في فسطاط المعارضة المدنية الراديكالية، فإنّ خطابها (حقوقياً ومدنياً وسياسياً)، بقي وفيّاً لمواقفها التاريخية، فقد عارضت بشدّة قمع الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة الانتفاضة النقابية في 26 يناير/ كانون الثاني 1978، وانتفاضة الخبز سنة 1984، وكانت سنداً لضحايا الانتفاضتَين.
ولم تتأخّر في الانتصار لانتفاضة الحوض المنجمي وثورة 17 ديسمبر - 14 يناير في السنتَين الأخيرتَين من فترة حكم زين العابدين بن علي، لاعبة دور المرصد الذي يرصد عنف الدولة، واعتداءاتها التي أدّت إلى قتل المواطنين والناشطين السياسيين والمدنيين أو سجنهم وتعذيبهم، ومحاكمتهم صورياً من دون توافر شروط المحاكمة العادلة.
بقي خطاب الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وفيّاً لمواقفها التاريخيةوفي أثناء عشرية الثورة التونسية (2011 - 2021)، لعبت رابطة حقوق الإنسان أدواراً وطنية، بمشاركتها في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، التي مهّدت الطريق لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011، بوصفها أوّل انتخابات ديمقراطية يعرفها التاريخ السياسي التونسي، ومساهمتها في تنظيم الحوار الوطني مع كلّ من الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، والاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، وقد مكّن ذلك الحوار من إنقاذ تونس من الصراع الدموي الذي عرفته سنة 2013 بتتالي الاغتيالات السياسية، وتشكيل حكومة تكنوقراط، والإشراف على الانتهاء من وضع المجلس الوطني التأسيسي دستور 27 يناير 2014، وتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في السنة نفسها، الأمر الذي مكّنها، ضمن رباعي الحوار، من الحصول على جائزة نوبل للسلام سنة 2015.
تتجاوز شرعية الرابطة التاريخية مشاركتها في الثورة التونسية وما تلاها من وقائع سياسية، فهي تمتدّ لنصف قرن، ولحظة تأسيسها تعود إلى سنة 1976، قبل أن تنال تأشيرة النشاط القانوني بصفتها أوّلَ منظّمة عربية وأفريقية للدفاع عن حقوق الإنسان في 7 مايو/ أيار 1977، مشكّلة النواة الأولى للمجتمع المدني الحقوقي في تونس، ومؤسسة لتعددية مبكّرة في داخلها أين تعايشت وتداولت على رئاستها انتماءات أيديولوجية وأفكار سياسية عديدة.
ولم يقتصر دورها على مراقبة السلطة، والحدّ من طبيعتها التسلطية، وما تمارسه من عنف على الأفراد بموجب ومن دون موجب، وإنّما كانت المدرسة التي ستربّي أجيالاً من المناضلين والنشطاء المدافعين عن الحرّيات العامّة والفردية، وحرّية التعبير والصحافة والإعلام، وعن الحقّ في التعدّدية الفكرية والسياسية والحزبية، والحقّ في تأسيس الأحزاب، والانتخابات النزيهة التشريعية والرئاسية والمحلّية، والتداول السلمي على السلطة.
التضييق على الرابطة وتجميد نشاطها شهراً خلقَا حالة تعاطف واسعة معهاكما شكّلت الرابطة منبتاً للكادر السياسي الذي استفادت منه الدولة، على غرار محمّد الشرفي، سليل حركة آفاق، الماركسية اليسارية، الذي انتقل من رئاسة المنظّمة الحقوقية سنة 1989 إلى تولي وزارة التربية والتعليم العالي، ضمن فريق حكم زين العابدين بن علي، وعُرف مشروعه بـ" إصلاح الشرفي"، وهو مشروع أثار جدلاً واسعاً في أوساط النُّخب التونسية آنذاك، وخصوصاً كتابه" الإسلام والحرية" الذي نشره لاحقا وضمّنه تفسيره لما أجراه من تغييرات لها أبعاد لائكية على المنظومة التربوية التونسية.
وكذلك المنصف المرزوقي، العروبي - العلماني، الذي تولّى رئاسة الرابطة في أثناء الفترة 1989 - 1994، ثمّ أصبح رئيساً للدولة 2011 - 2014، وعبد الستّار بن موسى اليساري، الذي تولّى رئاسة الرابطة 2011 - 2016، ثمّ شغل خطّة الموفق الإداري برتبة وزير سنة 2017.
التضييق على الرابطة، وتجميد نشاطها شهراً من سلطة الرئيس قيس سعيّد، وعقد جلسة في الغرض بالمحكمة الابتدائية بتونس يوم 6 مايو/ أيار الجاري كشفا إخلالا إجرائيا جوهريا وفق ما صرّح به أحد المحامين (نافع العريبي)، يتمثّل في شغور منصب الكاتب العام للحكومة التونسية منذ سنة 2023 في حين الشكوى قُدّمت باسمه وصفته، ما يعني وجود شبهة تدليس أو انتحال صفة حسب ما جاء على لسان العريبي إلى موقع الكتيبة.
وفي مقابل إصرار سلطة الرئيس سعيّد على التضييق على الرابطة وتوسيع دائرة التجميد لتشمل منظمة" محامون بدون حدود"، وعلى الرغم من اللون اليساري الغالب على المنظمة الحقوقية التونسية في هذه المرحلة من تاريخها حتى وصفها البعض بأنها" رابطة الدفاع عن اليساريين" في إشارة إلى تجاهلها مساجين حركة النهضة وجبهة الخلاص الوطني، فإن حالة تعاطف واسعة أبدتها أغلب القوى السياسية والمدنية، وذلك في شكل بيانات تنديد والمشاركة في وقفات تضامن كان آخرها يوم 6 ماي أمام المحكمة الابتدائية بالعاصمة.
فقد التقى الإسلاميون (بيان حركة النهضة) بالقوميين العرب (بيان حركة الشعب بمناسبة عيد العمال) واليساريين (بيان حزب العمال) الماركسيين وغير الماركسيين واللبراليين والقوى الاجتماعية الديمقراطية (بيانات أحزاب التيار الديمقراطي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات والمسار الديمقراطي الاجتماعي) والحقوقيين والنقابيين وبجمعية الصحافيين وهيئة المحامين وجمعية القضاة التونسيين، في التنديد بقرار تعليق النشاط وتحويل الرأسمال الرمزي والتاريخي والنضالي لرابطة حقوق الانسان التونسية إلى قضية محاسبية تتولاها المحاكم التونسية.
لا يُعرف ما إذا كان قرار تعليق نشاط الرابطة مجرّد" تقليم أظافر" من السلطة، أم أنّ الدور قد أتى على الرابطة، كما أتى على الذين من قبلها من قيادات أحزاب سياسية ورجال أعمال وإعلاميين ومحامين ومدونين ومرشّحين رئاسيين ونقابيين وشخصيات عامّة ووزراء وبرلمانيين سابقين امتلأت بهم السجون، أو طاولتهم الهجرة القسرية والمنافي، أم أنّ التضييق لا يعدو أن يكون محاولة لإخراج الرابطة من دائرة الفعل العام، بعد أن أُبعدت عنه الأحزاب السياسية والنُّخب الفكرية والمنظّمات النقابية، وخاصّة الاتحاد العام التونسي للشغل، وترك الفضاء العام مفتوحاً أمام قوة واحدة مهيمنة تتمثّل في الرئيس سعيّد وسلطته ومشروعه للبناء القاعدي السياسي والاقتصادي بمجالسه المحلّية وشركاته الأهلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك