في أحد أزقة مراكش، حيث تتداخل رائحة الطين المبلل بأصوات" المنقاش" وهو يشق قطع الزليج بعناية، وجد عبد الودود منهير نفسه داخل عالم لم يكن يعرف عنه شيئا قبل سنوات قليلة.
شاب في الـ 25 من عمره، يحمل إجازة في الهندسة المدنية، لكنه اختار أن يضع جانبا المسار التقليدي الذي كان ينتظره، ليلتحق بأكاديمية متخصصة في تعليم الحرف بمدينة الدار البيضاء، ويغوص في تفاصيل حرفة عريقة جذبته منذ اللحظة الأولى بألوانها وتصاميمها.
لم يكن الزليج بالنسبة إليه مجرد مهنة يدوية، بل بابا لاكتشاف ذاته.
ويحكي خلال حديثه مع يابلادي قائلا، إن اختياره لهذا المجال جاء بدافع الفضول والانبهار، رغم أنه لم تكن له أي علاقة بالحرفة قبل دخوله المؤسسة.
وبينما كان كثيرون يرون في توجهه نحو الحرف تنازلا عن سنوات الدراسة الجامعية، كان والداه ينظران إلى الأمر بطريقة مختلفة تماما، إذ لم يعترضا على اختياره، بل كانا يؤمنان بالمقولة الشعبية التي تقول" الحرفة إذا لم تغنك ستسترك".
" التعلم والحرفة يكملان بعضهما"داخل الورشات، اصطدم عبد الودود منذ البداية بصورة نمطية راسخة، تعتبر أن الحرفي شخص غير متعلم.
لكنه لم يكن مقتنعا بهذه الفكرة، ويرى أن الأمر ارتبط ربما بجيل معين، بينما كان الأجداد، حسب تعبيره، يجمعون بين الدراسة وإتقان الحرفة.
بالنسبة إليه، لا يمكن للحرفة أن" تتطور دون تعليم، بل أؤمن أن الحرفي كلما كان متعلما، استطاع أن يطور أدواته ورؤيته ويضيف لمسته الخاصة".
هذا التصور لم يكن سهلا دائما داخل الوسط المهني.
يروي أنه عندما بدأ الاحتكاك بحرفيين غير متمدرسين، لم يكن بعضهم يقدر فكرة أن شخصا تلقى تعليما عاليا اختار تعلم الزليج.
لكن النظرة كانت تتغير تدريجيا مع العمل المشترك.
ورغم ذلك، لا يخفي أن بعض الحرفيين ما زالوا يرفضون تقبله داخل المجال، بينما يجد من جهة أخرى حرفيين يطلبون مساعدته ويشجعونه، وهو ما يمنحه شعورا بالفخر.
والأهم بالنسبة إليه، أنه يتعلم منهم أيضا، إذ يعتبر أن العلاقة داخل الورشة يجب أن تقوم على تبادل المعرفة، لا على الصراع، لذلك يرفض المقولة الشهيرة" خوك في الحرفة عدوك"، لأن الهدف الحقيقي، في نظره، هو الحفاظ على هذا الموروث وتطويره، بعيدا عن الأنانية.
أول قطعة اشتغل عليها كانت مائدة من الزليج، تجربة ما تزال عالقة في ذاكرته لأنها جعلته يكتشف حجم الدقة والصبر اللذين تتطلبهما هذه الصناعة.
فصناعة الزليج، كما يشرح، تبدأ من الطين الذي يعجن ويبسط، ثم تمر بمرحلة" الفرينة"، قبل الصباغة والتزجيج داخل" دار الفخار".
بعد ذلك تنتقل القطع إلى" دار عمل"، حيث يرسم التصميم، ثم تأتي مرحلة الكسر، فـ" التخلاط" و" الفرغ" أو" الفرش"، وصولا إلى" دار الشغل"، حيث تكتمل المرحلة الأخيرة من الصناعة.
حرفة عريقة تواجه خطر التلاشيوفي قلب كل هذه المراحل، تبرز أدوات محلية بسيطة، من بينها" المنقاش"، لكنها تحتاج إلى يد خبيرة وصبر طويل.
لذلك يؤكد عبد الودود أن جميع مراحل صناعة الزليج صعبة، وتحتاج إلى تركيز ودقة متناهية.
وبقدر ما يعيش تفاصيل الحرفة يوميا، يحمل أيضا وعيا بتاريخها.
فبالنسبة إليه، أقدم زليج في المغرب يوجد بمسجد الكتبية بمدينة مراكش، المدينة التي ينتمي إليها والتي تبدو حاضرة في اختياراته الفنية وهويته المهنية.
هذا الشغف قاده مؤخرا إلى المشاركة في مسابقة دولية خاصة بـ" البلاط"، حيث تمكن من الفوز بالمرتبة الثالثة، بعد تقديمه تصميما جديدا في الزليج، في تجربة يعتبرها اعترافا بقدرته على التجديد داخل حرفة تقوم أساسا على الإرث التقليدي.
لكن خلف هذا التتويج، يخفي عبد الودود قلقا حقيقيا على مستقبل المهنة.
ورغم كل ذلك، لا يزال هذا الحرفي متشبثا بشغفه بحرفته، فهو يصف نفسه بـ" المتعلم"، وهو الاسم ذاته الذي اختاره لحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، رافضا أن يُنادى بـ" المعلم"، إيمانا منه بأن الإنسان يظل تلميذا ما دام على قيد الحياة.
ولم يقتصر أثر الحرفة على إتقانه تشكيل الزليج فحسب، بل امتد إلى شخصيته ونظرته للحياة، إذ يؤكد أنها علمته الفضول الدائم، وأن كل يوم يحمل فرصة لاكتشاف شيء جديد، وأن تطوير الذات رحلة لا تتوقف، سواء داخل الورشة أو خارجها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك