سعدت بالمشاركة في الفعالية المهمة التي نظمتها كلية الإعلام بالمعهد الكندي العالي CIC ضمن حملة «رادار»، وهي المبادرة التي استهدفت نشر الوعي بأساليب الحماية المرتبطة بالأمن الإلكتروني، مع التركيز على توعية المراهقين من جيل «زد» وجيل «ألفا» بمخاطر الجرائم الإلكترونية، وترسيخ مفاهيم السلوك الرقمي الآمن في التعامل مع الوسائط الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، وقد كشفت هذه التجربة عن جانب مهم يستحق التوقف أمامه، يتعلق بدور المؤسسات التعليمية والشباب في مواجهة التحديات الجديدة التي فرضها العالم الرقمي.
ما لفت نظري خلال الفعالية لم يكن فقط أهمية الموضوع المطروح، وإنما أيضاً حالة الحماس والوعي التي ظهر بها الأساتذة ورموز الكلية، وطلاب كلية الإعلام والقائمون على الحملة، حيث بدا واضحاً أن الأمر يتجاوز حدود نشاط جامعي عابر إلى شعور حقيقي بالمسؤولية تجاه المجتمع وقضايا الشباب، وقد نجح الطلاب في تقديم رسائل توعوية بلغة عصرية قريبة من اهتمامات الأجيال الجديدة، وهو ما يعكس إدراكاً متقدماً لطبيعة التحديات التي يفرضها العصر الرقمي.
والحقيقة أن هذه المشاركة أكدت لي أن طلاب هذا المعهد، ومعظمهم من الفتيات، ليسوا بمعزل عن قضايا المجتمع كما يظن البعض، بل إن بينهم نماذج واعية ومهتمة بمناقشة المشكلات الحقيقية التي تواجه الشباب، مثل الابتزاز الإلكتروني، والتنمر الرقمي، كما بدا أن هؤلاء الطلاب على وعي بخطورة الخطابات الدينية التي تدعو للتشدد والتزمت والتكفير، وأنهم يرفضون كل هذه الأفكار، وينفتحون على العالم بوعي وفهم.
ومن هنا تبرز أهمية دعم هذه النماذج من الطلاب ودعم هذه الأنشطة من الفعاليات، وإلقاء الضوء عليها إعلامياً، فالعمل الجيد يستحق كل المساندة والتقدير، كما أن الطلاب الذين يوجّهون طاقتهم نحو خدمة المجتمع ونشر الثقافة الرقمية الآمنة يمثلون استثماراً حقيقياً في المستقبل، في عالم يتغير بسرعة كبيرة، والحاجة إلى الوعي والقيم والأخلاق أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
قلت في كلمتي للطلاب إن الذكاء الاصطناعي هو اختبار حقيقي لقدرة الإنسان على إعمال العقل، والالتزام بالقيم الأخلاقية، وتوظيف المعرفة فيما ينفع الإنسان والمجتمع، وأن الإسلام لا يفرق بين الجرائم التي تقع في الواقع، وتلك التي تقع في العالم الرقمي، فكل صور الإساءة الإلكترونية من تنمر وسخرية وتهديد وفضح وتتبع للخصوصيات واستغلال للبيانات الشخصية، محرمة ومرفوضة في الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي.
فالخطاب القرآني في قوله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾، وقوله سبحانه: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب﴾، وقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات﴾، يضع إطاراً أخلاقياً واضحاً للسلوك الرقمي، يدعو إلى احترام خصوصية الآخرين، والحفاظ على الأمانات الرقمية من صور ورسائل وملفات وبيانات، وهي المعاني التي نحتاج إلى ترسيخها لدى الأجيال الجديدة حتى يصبح استخدام التكنولوجيا قائماً على الوعي والمسؤولية، لا على الفوضى أو الإضرار بالآخرين.
ولعل ما يدعو إلى التفاؤل أن شباب المعهد الكندي في حملة «رادار» وأساتذتهم يمتلكون الرغبة في التأثير الإيجابي، ويؤمنون بدورهم في بناء الإنسان، ومحاولة زرع مفاهيم تدعو إلى الحرية والفهم والوعي، واحترام خصوصيات الآخرين، وعدم الإضرار بهم، ورفع شعار إكرام الإنسان، لأنه إنسان، دون النظر إلى جنسه أو دينه أو هويته، وختاماً أشكر القمص أشعياء لمعي يسى، والأستاذة الكاتبة فاطمة ناعوت، إذ سعدت بأن أكون برفقتهما ضمن ضيوف المعهد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك