هل لاحظت أنك تسلك الطريق نفسه كل يوم تقريبًا، حتى حين لا يكون الأفضل؟ كأنك تختاره دون تفكير.
في زحام الخيارات التي نعيشها يوميًا، نتمسك بطريق نعرفه، ونعود إليه كل يوم تقريبًا: إلى العمل، أو الجامعة، أو المدرسة، إلى المقهى، أو البيت، أو حتى إلى مكان نمشي فيه قليلًا، كأننا نبحث فيه عن شيء ثابت.
وفي هذا الطريق، نحفظ تفاصيله الصغيرة: إشاراته، زواياه، الأرصفة المتعبة، المحال التي تفتح باكرًا، الشجرة التي نمر بقربها، الازدحام الذي نعرف أنه سيظهر في نقطة معينة، واللحظة التي ينفرج فيها الشارع فجأة.
لا يحتاج الطريق إلى أن يكون استثنائيًا كي يصبح جزءًا من حياتنا، بل يكفي أن يتكرر.
ومع هذا التكرار، تنشأ علاقة صامتة بين الإنسان والمكان.
في عالم يتبدل باستمرار، يمنحنا الطريق نفسه شيئًا نادرًا، وهو القدرة على التوقّع.
فنعرف متى ننعطف، أين نبطئ، ومتى نصل تقريبًا.
وعلى هذا الطريق، لا مفاجآت كثيرة، ولا قرارات متلاحقة، وأحيانًا يتذكر الجسد قبل العقل، فيقودنا إلى الوجهة كأنه يعرفها وحده.
وهذه القابلية للتوقع ليست مللًا دائمًا، بل هي في كثير من الأحيان راحة.
فالإنسان لا يريد أن يبدأ كل يوم من الصفر، وإنما يحتاج إلى مسارات مألوفة تخفف عنه عبء الاختيار.
حيث أن الطريق المتكرر يهمس له: هناك جزء من يومك لا يحتاج إلى كل هذا التفكير.
وحتى أولئك الذين يشتكون من الروتين، يتمسكون ببعضه.
لأن الروتين، حين لا يضيق بنا، يمنح شعورًا خفيًا بالثبات.
فهناك شيء ما بقي كما هو، ولو كان مجرد طريق.
مع مرور الوقت، لا يبقى الطريق مجرد مسافة تُقطع، بل يتحول إلى أرشيف حي للتفاصيل.
فهنا سمعنا خبرًا مهمًا، وهناك مررنا بمرحلة صعبة، وعند هذا الرصيف انتظرنا أحدًا، وفي تلك الزاوية اشترينا قهوة في صباح ثقيل.
وتتراكم الذكريات فوق الطرق دون أن نخطط لها، ورغم أنها ليست أحداثًا كبيرة، فإنها تبني علاقة خاصة بالمكان.
فقد يعبر شخص آخر الشارع نفسه ولا يلاحظ شيئًا، بينما نراه نحن محمّلًا بأيامنا.
ولهذا، حين يتغير الطريق فجأة -بسبب تحويلة، أو إغلاق، أو سفر، أو انتقال إلى بيت جديد- نشعر أحيانًا بأن جزءًا من يومنا فقد إيقاعه.
قد يكون الطريق الجديد أفضل، لكنه لا يعرفنا بعد.
حين يصبح التكرار بيتًا صغيرًاليست الراحة في تكرار الطريق كسلًا كما قد تبدو، وإنما هي محاولة لخلق إيقاع ثابت وسط عالم مضطرب.
إذ أننا نكرر الطريق كي نمنح يومنا بداية مألوفة ونهاية يمكن توقعها.
حين نعرف الطريق، يخف شعورنا بأن كل شيء مفتوح على المجهولوربما لهذا السبب نشعر بالراحة حين نعود إلى طرق قديمة بعد غياب.
وهكذا، لا نستعيد المكان فقط، بل نستعيد أنفسنا كما كنا حين مررنا هناك، فيصبح الطريق خيطًا يربط بين مراحل مختلفة من حياتنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك