في الشرق الأوسط، لا يوجد طرف واحد يصنع الصراع، بل منظومة كاملة تعيد إنتاجه باستمرار.
فكلما تصاعد نفوذ طرف، وجد الطرف الآخر في ذلك مبررا لتوسيع خطابه الأمني أو الأيديولوجي، لتدخل المنطقة مجددا في دورة جديدة من التوتر والعنف وعدم الاستقرار.
وعلى مدى العقود الماضية، لم يعد الصراع في المنطقة، خلافات حدودية، أو تنافسا سياسيا تقليديا، بل تحوّل إلى بنية معقدة تتداخل فيها الأيديولوجيا مع حسابات الدولة، والمصالح الأمنية مع مشاريع النفوذ الإقليمي.
يمكن فهم هذا المشهد عبر ما يمكن تسميته بـ»مثلث الصراع»، وهو إطار تحليلي يقوم على تفاعل ثلاث قوى رئيسية: النظام السياسي في إيران، وتيارات الإسلام السياسي بمختلف امتداداتها، وصعود اليمين القومي والديني المتشدد في إسرائيل.
ولا يُطرح هذا المفهوم بوصفه حكما أخلاقيا على هذه الأطراف، بل كمحاولة لفهم كيف تساهم هذه القوى، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، في إنتاج حالة الصراع المستمر في الشرق الأوسط.
الأيديولوجيا كأداة للبقاء السياسي:في كثير من دول الشرق الأوسط، لا تعمل الأيديولوجيا بمعزل عن منطق السلطة والبقاء السياسي.
فالأنظمة والتيارات السياسية تحتاج غالبا إلى خطر دائم يبرر استمرار التعبئة الأمنية والسياسية داخل المجتمع.
ومع الوقت، يتحول الخصم إلى عنصر أساسي في بنية النظام السياسي نفسه.
فوجود تهديد خارجي أو داخلي يساعد على تعزيز التماسك الداخلي، وتبرير السياسات الأمنية، وصناعة حالة مستمرة من الاستنفار السياسي والشعبي، لهذا، يصبح الصراع أحيانا جزءا من آلية الاستقرار السياسي، وليس مجرد نتيجة له.
إيران: من الثورة إلى مشروع النفوذ الإقليمي:تشكل النظام الإيراني بعد ثورة عام 1979 على أساس خطاب يقوم على مواجهة النفوذ الغربي، وإعادة تعريف دور إيران في المنطقة.
لكن مع مرور الوقت، تحولت الثورة إلى دولة تمتلك مؤسسات ومصالح استراتيجية، تتجاوز الشعارات الأيديولوجية التقليدية.
وفي هذا السياق، وسّعت إيران حضورها الإقليمي في عدة ساحات، أبرزها العراق ولبنان وسوريا، حيث لعب تدخلها السياسي والعسكري دورا مؤثرا في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة.
وتُظهر الحالة السورية بشكل خاص كيف تحوّل الصراع من أزمة داخلية إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي معقد، ساهمت فيها قوى متعددة، كان لإيران دور أساسي بينها.
هذا التمدد الإقليمي لا يمكن فهمه فقط باعتباره مشروع نفوذ سياسي، بل أيضا كجزء من خطاب «المواجهة المستمرة» الذي يمنح النظام الإيراني مساحة أكبر لتعزيز شرعيته الداخلية وتبرير سياساته الإقليمية.
الإسلام السياسي وإشكالية الانتقال من المعارضة إلى الدولة:الشعوب لا تتحكم غالبا في هندسة الصراعات، لكنها تدفع ثمنها يوميا عبر الأزمات الاقتصادية والهجرة، والانقسام الاجتماعي وتآكل الاستقراريُعد الإسلام السياسي من أكثر الظواهر السياسية تعقيدا في الشرق الأوسط، لأنه لا يمثل تيارا واحدا، بل طيفا واسعا يمتد من الحركات الإصلاحية إلى التنظيمات الأكثر تشددا، ضمن السياقين السني والشيعي.
ويقدم هذا التيار نفسه غالبا باعتباره مشروعا شاملا يجمع بين الدين والسياسة، إلا أن الإشكالية الأساسية تظهر عند الانتقال من الخطاب الأيديولوجي إلى إدارة الدولة الحديثة، بما تتطلبه من مؤسسات، وتعددية، وتعقيدات اقتصادية ودولية.
وتبرز تجربة الإخوان المسلمين في مصر بعد عام 2012 كمثال على هذه الإشكالية، حيث كشفت مرحلة الحكم حجم الفجوة بين الخطاب السياسي ومتطلبات إدارة الدولة، خاصة في ظل الاستقطاب الحاد والانقسام الاجتماعي الذي شهدته البلاد آنذاك.
ولا يُطرح هذا المثال بوصفه حكما نهائيا على التيار، بل كدلالة على التحديات البنيوية التي تواجه الحركات الأيديولوجية عندما تتحول من المعارضة إلى السلطة.
إسرائيل وصعود اليمين القومي والديني:شهدت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية وفكرية عميقة، مع تصاعد نفوذ التيارات القومية والدينية اليمينية داخل مؤسسات الحكم.
ولم يعد الخطاب السياسي الإسرائيلي يقتصر على إدارة الصراع مع الفلسطينيين، بل أصبح يرتبط بشكل متزايد بإعادة تعريف مفاهيم الأمن والردع وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
وقد شكّلت أحداث السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول كبيرة في هذا المسار، إذ دفعت نحو تصاعد غير مسبوق في الخطاب الأمني والعسكري، ووسّعت حضور التيارات المتشددة داخل المشهد السياسي الإسرائيلي.
كما برزت خلال هذه المرحلة دعوات أكثر تشددا تجاه قضايا الاستيطان والحدود ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، الأمر الذي زاد من المخاوف الإقليمية بشأن تحول الصراع من نزاع سياسي قابل للتسوية إلى صراع مفتوح طويل الأمد يرتبط بالهوية والسيادة والجغرافيا معا.
وفي المقابل، تُستخدم هذه السياسات والخطابات داخل المنطقة كدليل إضافي لدى خصوم إسرائيل لتبرير استمرار خطاب المواجهة والتعبئة السياسية والأيديولوجية.
تكمن خطورة هذا «المثلث» في أن أطرافه لا تعمل بشكل منفصل، بل ضمن علاقة تغذية متبادلة.
فالتصعيد المرتبط بالدور الإيراني يعزز الخطاب الأمني داخل إسرائيل، والسياسات الإسرائيلية المتشددة تمنح تيارات الإسلام السياسي مبررات إضافية لتوسيع خطابها التعبوي، بينما تُستخدم ممارسات بعض التنظيمات الإسلامية لتبرير مزيد من التشدد الأمني والعسكري في المقابل.
وهكذا تدخل المنطقة في حلقة مستمرة من الفعل ورد الفعل، يصبح فيها الصراع جزءا من التوازن القائم، لا استثناءً عليه.
وسط هذه التفاعلات، تبقى المجتمعات هي الطرف الأكثر تضررا.
فالشعوب لا تتحكم غالبا في هندسة هذه الصراعات، لكنها تدفع ثمنها يوميا عبر الأزمات الاقتصادية، والهجرة، والانقسام الاجتماعي، وتآكل الاستقرار.
وفي كثير من الأحيان، تتحول حياة ملايين الناس إلى رهينة لصراعات إقليمية تتجاوز قدرتهم على التأثير فيها، بينما تستمر النخب السياسية والأيديولوجية في إعادة إنتاج الخطاب نفسه بأشكال مختلفة.
هل أصبح الصراع ضرورة سياسية؟ربما لم تعد المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط تتعلق بمن هو العدو، بل في أن أطراف الصراع المختلفة باتت، بدرجات متفاوتة، جزءا من منظومة واحدة تقوم على إعادة إنتاج التوتر بشكل دائم.
فكل طرف يحتاج إلى الآخر سياسيا وأيديولوجيا، حتى إن ظهر ذلك في صورة مواجهة مستمرة.
وفي ظل هذه المعادلة، يبدو السؤال الحقيقي: هل السلام في الشرق الأوسط مشروع قابل للحياة فعلا، أم أن الصراع نفسه أصبح جزءا من توازن المنطقة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك