القراءة الموضوعية للاضطراب الكبير الذي يسود الشرق الأوسط، لا ترجح عودة الاستقرار والهدوء، خلال المدى المنظور.
الأطراف المتحاربة وتلك التي وقعت ضحية للمشاريع والمخططات المتقابلة، دفعت أثظمانا باهظة، لا يمكنها أن تنتج معادلات شبيهة بالتي سادت قبل انفجار الأوضاع.
لم تنتصر إسرائيل، بل فشلت في تحقيق الأهداف التي أعلنتها عشية السابع من أكتوبر 2023، وإن كانت حققت مكاسب تكتيكية، ولم تنتصر الولايات المتحدة، بل فشلت في تحقيق الأهداف التي حددتها الإدارة، كما لم تحقق إيران الانتصار، والحاق الهزيمة بمن شنوا الحرب عليها، وإن كانت أظهرت صمودًا أسطوريًّا، بالرغم من فداحة الخسائر.
لم يكن أكثر المحللين تفاؤلا أو تشاؤما، قد توقع مثل هذا التوازن والاختلالات الاستراتيجية، أمام ضخامة الحشد العسكري الأميركي والإسرائيلي ومحدودية القدرات الإيرانية، بعد حصار وعقوبات خضعت لها إيران لفترة طويلة من الزمن.
كما لم يكن أحد يتوقع أن تكون فصائل المحور أو من يسمون أذرع إيران في المنطقة، قد امتلكت هذا القدر من الإمكانيات لخوض الصراع أمام قدرات تباهت إسرائيل بأنها تمتلك القدرة على إلحاق الهزيمة بكل ما حولها من الجيوش العربية.
حين فشلت الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية على إيران في تحقيق أهداف إسقاط النظام، وتدمير البرنامج النووي، والقدرات الدفاعية والصاروخية لإيران، كان لابد من التوقف وتفعيل وسائل أخرى.
لجوء الولايات المتحدة، لوقف إطلاق النار، والعودة للمفاوضات تحت ضغط الحصار، والتهديد لمحو الحضارة الفارسية، وإزالة إيران عن الخارطة، لم يكن سوى إعلان يأس، وفقدان الخيارات.
وحين لم يفلح الحصار البحري الأميركي على إيران، فعل الرئيس ترامب خيار (ج) بالإعلان عن مشروع الحرية، الذي أراد منه فتح مضيق هرمز بالقوة، مدعيًا أنه يقوم بعملية إنسانية لإنقاذ سفن الدول المتضررة.
عمليا كان مشروع الحرية، قد شكل المختبر العملي لتهديدات سابقة، بأن الولايات المتحدة ستبادر من خلال قواتها البحرية لمرافقة وحماية السفن من وإلى موانئ الخليج.
يبدو أن الرئيس الأميركي لم يدرك أبعاد اللجوء إلى هذا الخيار، الذي حال دون نجاحه الفشل في العثور على شركاء دوليين، وقرار سعودي بإغلاق الأجواء والأراضي السعودية أمام أي تحرك عسكري، بالإضافة إلى إصرار إيران على إحباط هذا المشروع.
ليس ذلك وحسب، بل أن الإدارة الأميركية اضطرت لأن تأخذ في الحسبان قرار الصين، بعدم الاعتراف أو الانصياع للعقوبات المفروضة على النفط الإيراني، الذي تحتاجه الصين، أو تعتبر أن توقف الإمدادات، يشكل خطرًا على الأمن الاستراتيجي للصين.
لم يطل الأمر، حتى أعلن الرئيس ترمب تعليق مشروع الحرية، وعودة الأوضاع إلى ما سبق، مع تبرير، لا يقبله عاقل، بأن المفاوضات تسير في اتجاه التوصل إلى اتفاق جيد.
ودائما يغلف ترمب تبريراته بأنه يمتلك أكبر قوة قاهرة على وجه الأرض، وأنها تمكنت من تدمير القوة البحرية الإيرانية، ومنصات الدفاع الجوي والقدرات الصاروخية، والبنى التحتية للمشروع النووي الإيراني.
لم يستمر مشروع الحرية اكثر من ستة وثلاثين ساعة فقط حتى اكتشف الرئيس ترمب حقيقة فشل هذا المشروع، ولكنه حاول إخراج هذا الفشل، بقصف مفاجئ لجزيرة قشم الإيرانية، واستهداف بعض ناقلات النفط.
الإيرانيون لم يترددوا في الرد بقصف استهدف قطعًا عسكرية أميركية، الأمر الذي شكل مفاجأة مدوية، خوفًا من عودة الحرب بضراوة، أشد فتكا، مما كانت عليه قبل توقفها.
في الحقيقة.
إن الطرف الوحيد في المنطقة الذي يخشى من أن يتم التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض، هو إسرائيل، التي تحاول استغلال أية ثغرة، أو فرصة لمواصلة الحرب.
هنا يبدو التعارض بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فانطلاقًا من رؤية كل طرف لمصالحه، تسعى الإدارة الأميركية حقيقة للتوصل إلى اتفاق عبر المفاوضات، بينما ترى إسرائيل أن مثل هذا الخيار يشكل خطرًا على المصالح والحسابات الإسرائيلية.
مع ذلك فإن الأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات، وإن كانت ثمة أرجحية لإعطاء المفاوضات فرصة خصوصا في ضوء مواقف دول الخليج، وخاصة السعودية التي تضغط لصالح هذا الخيار، هنا يتأكد درس أساسي، وهو أن الدول العربية تمتلك إمكانيات حقيقية فاعلة جدًا، في التأثير على اتجاه الأحداث والتطورات المتعلقة بالمنطقة، ولكن حين تمتلك إرادة القرار، والدفاع عن مصالحها الوطنية كأولوية بمعزل عن رهانات أثبت التاريخ أنها خاسرة حين تقوم على شراء الأمن والحماية من خارج الإقليم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك