بالتزامن مع «اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف»، الذي يحلّ في 23 أبريل من كل عام، تُغلق «المكتبة الوطنية» في مدينة عيسى أبوابها هذا العام، بعد إعلانها تصفية مخزونها بخصومات تصل إلى %90، تمهيدًا لإنهاء نشاط الفرع ابتداءً من مايو الجاري، لحظة تختزل مسارًا طويلًا من الحضور الثقافي لإحدى أعرق المكتبات التجارية في المملكة، وتضعها ضمن تحوّل أوسع تشهده الحياة، مع تقدّم التقنية، وانحسار الكتاب الورقي، وغياب «معرض الكتاب الدولي» في البحرين، وتبدّل أنماط تلقي المعرفة بين كتاب رقمي وصوتي، في مقابل عزوف متزايد عن الكتاب كأداة تصدّرت عرش المعرفة لقرون، لصالح وسائل أخرى بات يُنظر إليها بوصفها أكثر جدوى ونفعًا، بصرف النظر عن دقة هذا التصوّر.
إرث قرن على حافة الإغلاق!تعود «المكتبة الوطنية» إلى العام 1929، حين أسسها إبراهيم عبيد في المحرق، قبل أن ينقلها إلى المنامة عام 1937، في «شارع باب البحرين».
ومنذُ ذلك الحين، تشكلت بوصفها واحدة من أقدم المكتبات التجارية في المملكة، واستطاعت أن تصمد على مدى عقود، في وقت أغلقت فيه «مكتبة التاجر» عام 1967، وتوقفت «المكتبة الكمالية» عام 1983، في حين واصلت «المكتبة الوطنية» مسارها، صمودًا وحضورًا، حتى اللحظة الراهنة، حيث تواجه تحديات جدية، تتبدّى في قرار إغلاق فرعها بمدينة عيسى.
هذا الحضور لم يكن معزولًا عن سياق أوسع؛ إذ شهدت البحرين في عقد العشرينيات من القرن الماضي تأسيس ثلاث مكتبات تجارية: «مكتبة التاجر» 1920، و«المكتبة الكمالية» 1921، ثم «المكتبة الوطنية» التي جاءت بعدهما بنحو ثماني سنوات، في لحظة كان فيها الكتاب يتخذ موقعه تدريجيًا داخل بنية المجتمع، متقاطعًا مع انطلاقة التعليم النظامي منذ مطلع العقد، مع تأسيس «مدرسة الهداية الخليفية»، قبل أن يتأصل هذا المسار قبَيل قيام «المكتبة الوطنية» بعام واحد، مع تأسيس «مدرسة خديجة الكبرى» أول مدرسة للبنات عام 1928.
بعد وفاة مؤسس «الوطنية»، تولى فاروق عبيد الابن إدارة المكتبة، مواصلًا «تعامله مع دور النشر العربية للبيع وتوزيع الكتب في شتى فروع المعرفة، الأمر الذي جعل المكتبة تستقطب الكثير من أدباء البحرين ودول مجلس التعاون الذين يترددون عليها في أثناء زيارتهم البلاد»، كما يذكر منصور سرحان، مضيفًا أن المكتبة «ركزت على عرض النتاج الفكري المحلي، حيث أفردت جناحًا خاصًا.
كما أسهمت في طباعة ونشر العديد من الكتب لمؤلفين بحرينيين»، إلى جانب مشاركتها في معارض الكتب العربية والدولية.
وشكلت «الوطنية» على امتداد تاريخها مساحةً تداخل فيها التوزيع مع النشر، والحضور التجاري مع الدور الثقافي، ففي أوائل السبعينيات، أدت دورًا ثقافيًا وتعليميًا، حين غدت وسيطًا لتزويد الطلبة البحرينيين المنتسبين إلى «جامعة بيروت العربية» بكتبهم الجامعية، إذ كانوا يتسلّمونها عبر المكتبة، حيث لم تكن قنوات الوصول إلى المعرفة، والسهولة اللوجستية، متاحة كما هي اليوم.
ومع الإعلان عن قرب إغلاق فرع مدينة عيسى، لا ينفصل ذلك عن وضع الفرع الآخر في «شارع المعارض»، الذي افتُتح عام 1989، وكان يُعد آنذاك «أكبر مكتبة تجارية من حيث المساحة في البحرين»، غير أن هذا الفرع، وفق مرتاديه، يعاني من «عدم تجدد محتواه من الإصدارات؛ نظرًا لانقطاع معرض الكتاب عن البحرين لأكثر من 7 سنوات»، وهو ما يجعل احتمال إغلاقه واردًا في نظرهم.
وقد ارتبطت «المكتبة الوطنية» تاريخيًا بمعارض الكتاب، إذ شاركت في أول معرض نظمته «إدارة المكتبات العامة» عام 1976، لتكون أول مكتبة تجارية مشاركة، وواصلت حضورها في أغلب المعارض الدولية التي أُقيمت في البحرين، وكذلك في «مهرجان الأيام الثقافي» الخاص بالكتاب.
ازدواج الاسم.
لمكتبتين وطنيتينضمن تاريخها، واجهت «المكتبة الوطنية» واحدةً من أكثر لحظاتها تعقيدًا، حين افتُتحت «المكتبة الوطنية» الرسمية في «مركز عيسى الثقافي» عام 2008، ما أثار انزعاج مالك المكتبة التجارية، نتيجة استخدام الاسم ذاته.
ويورد منصور سرحان أن عبيد «أصرّ على تغيير اسم المكتبة الوطنية بمركز عيسى الثقافي أو شراء الاسم»، في وقت كانت فيه الطرود والكتب تختلط بين المؤسستين، إذ «بعض الطرود تصل إلى مطار البحرين باسم مكتبتنا وتحمل اسم المكتبة الوطنية فقط، فيتم تخليصها من قبل المكتبة الوطنية التجارية، فيقوم بإرسالها إلينا بعد العتب الشديد».
كما كان المؤلفون والباحثون يقصدون المكتبة التجارية لإيداع رسائلهم العلمية، ظنًا منهم أنها المكتبة الرسمية، فيما يتجه آخرون إليها لأغراض البحث العلمي، قبل أن يكتشفوا أنها ليست الجهة المعنية.
لكن، ولحُسن حظهم، أن المكتبتين تقعان ضمن نطاق جغرافي متقارب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك