في وقتٍ تتقاطع الأرقام الرسمية مع نبض أسواق ليبيا اليومية، أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة في حكومة الوحدة الوطنية الليبية تسجيل" تحسّن تدريجي" في مؤشرات الأسعار داخل السوق المحلية، عقب بدء تطبيق سياسات الإنفاق التنموي الموحد، وذلك بعد موجة ارتفاع حادّة شهدتها البلاد مطلع إبريل/ نيسان، أعادت من جديد طرح سؤال الاستقرار المعيشي وقدرة الأسر على التكيف مع تغيرات الأسعار.
كما تقول الوزارة إن السوق دخلت مرحلة تصحيح تدريجي بعد صعودٍ بلغ نحو 35% في بداية إبريل مقارنة بالربع الرابع من عام 2025، قبل أن تبدأ الأسعار بالتراجع مع تفعيل آلية الإنفاق الجديدة، مسجلة انخفاضاً أولياً بنسبة 9% في 23 إبريل، وصولاً إلى نحو 17% مطلع مايو/ أيار الجاري.
وبحسب البيانات الرسمية، شمل التراجع عدداً من القطاعات، أبرزها اللحوم بنسبة 37% والحبوب بنسبة 32% والأعلاف بنسبة 27%، إلى جانب انخفاض المواد الغذائية والإلكترونيات بنحو 17% لكل منهما، والمعادن والذهب بنسبة 16% ومواد البناء بنسبة 9%.
لكن هذا المشهد الرقمي، رغم وضوحه على الورق، لا يبدو متطابقاً مع صورة السوق في شارع ليبيا في أحد أسواق طرابلس الشعبية، يقول علي المحروق لـ" العربي الجديد" إن" الأسعار ليست موحّدة ولا مستقرة"، مضيفاً: " قد نجد سلعة انخفضت قليلاً، لكن السلة الاستهلاكية الأساسية لم تتغير كثيراً، بخاصة الحليب والشاي وبعض أنواع اللحوم المحلية".
ويشير إلى أن" الانخفاض الذي يُعلن عنه لا يظهر في فاتورة الأسبوع اليومية".
وفي السياق عينه، ترى المواطنة نجلاء التاجوري أن المشكلة ليست فقط في ارتفاع الأسعار، بل في" تذبذبها المستمر"، وتقول لـ" العربي الجديد": " نشتري اليوم بسعر، وغداً بسعر مختلف، حتى لو كان الفرق بسيطاً، لكنه يرهق ميزانية الأسرة".
ومن جهة أخرى، يعبّر تجار عن رؤية أكثر تحفظًا تجاه المؤشرات الرسمية.
إذ يقول التاجر محمد الزنتاني في سوق المواد الغذائية إن" هناك تراجعاً في بعض السلع المستوردة فعلاً، بخاصة تلك المرتبطة بسلاسل التوريد الخارجية، لكن الصورة ليست عامة"، موضحاً لـ" العربي الجديد" أن" تكاليف النقل والتخزين، وسعر الصرف، والطلب غير المستقر، تجعل التسعير غير ثابت حتى خلال الأسبوع الواحد".
ويضيف التاجر عز الدين الحامدي أن" الحديث عن انخفاض شامل قد يكون دقيقاً إحصائياً، لكنه لا يعكس تعقيدات السوق المحلية التي تختلف من منطقة لأخرى ومن تاجر لآخر".
في المقابل، يقدم محللون اقتصاديون قراءة أكثر تركيباً للمشهد، معتبرين أن ما يحدث هو" تباين في استجابة القطاعات، وليس انخفاضاً موحداً في الأسعار".
ويقول المحلل الاقتصادي طارق الصرماني لـ" العربي الجديد" إن" السلع المستوردة عادة ما تستجيب بسرعة لأي تغير في السياسات المالية أو النقدية، بينما تبقى السلع المحلية، مثل الحليب واللحوم الوطنية، أكثر ارتباطًا بتكاليف الإنتاج الداخلي، من أعلاف وطاقة ونقل وأجور".
ويضيف أن" الحليب، على سبيل المثال، لا يتأثر فقط بسعر الاستيراد، بل بسلسلة إنتاج محلية متشابكة تبدأ من الأعلاف وتنتهي عند التوزيع، وهو ما يفسر استمرار ارتفاعه أو بطء انخفاضه مقارنة بسلع أخرى".
كما يشير أستاذ الاقتصاد في جامعات ليبيا محمد أنبية إلى أن" الشاي وبعض المنتجات الغذائية الأساسية قد تبقى مرتفعة رغم أي تحسن عام، لأنها مرتبطة بعقود استيراد طويلة الأجل أو بتقلبات سعر الصرف، ما يجعل أثر السياسات الجديدة غير فوري".
ويحذر في حديثه لـ" العربي الجديد" من قراءة الأرقام الرسمية بمعزل عن" سلوك المستهلك الفعلي"، معتبراً أنّ" الانخفاض في بعض المؤشرات لا يعني بالضرورة تحسناً متكاملاً في القدرة الشرائية"، بخاصة في ظل اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ويعاني من تفاوت في سلاسل الإمداد وتكاليف النقل الداخلي.
وتؤكد وزارة الاقتصاد والتجارة في ليبيا أن الإجراءات المتخذة راهناً لا تقتصر على متابعة الأسعار فحسب، بل تشمل حزمة أوسع من التدخلات، من بينها تحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز سياسات حماية المستهلك، ومراجعة التنافسية الجمركية في الموانئ، إضافة إلى ضبط عمليات التفتيش ومعايرة الأجهزة في القطاعين العام والخاص، وكل ذلك في إطار خطة تهدف إلى" إعادة تنظيم السوق وتعزيز الاستقرار التدريجي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك