في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، كانت حوانيت الصاغة، أو ورش صناعة الذهب، مراكز حيوية نابضة بالحياة في الأسواق التجارية القديمة، وفي كل حانوت أو ورشة كان هناك تجار متخصصون في شراء مخلفات هذه الحوانيت، ثم استخراج ذرات الذهب منها وإعادة بيعها إلى الصاغة مرة أخرى.
هذه التجارة الغريبة ربح منها عمال كانت مهمتهم في الحياة «كنس» التراب والذرات الموجودة على الأرض لاستخراج ذرات الذهب، التي نجحوا في استخراجها بطرق دقيقة ومربحة، بحسب وثيقة نادرة لمجلة مجلة الكواكب.
حكاية تجارة ذرات الذهب من «الكناسة»«رُبَّ جوهرة في مزبلة».
بهذا المثل القديم وصفت «الكواكب» طريقة ربح التجار في الحوانيت، ففي كل مكان تقوم فيه حوانيت الصاغة، كان يوجد تجار اختصوا بشراء «زبالة» هذه الحوانيت، ثم استخراج الذهب منها وبيعه إلى الصاغة، في عملية معقدة كانت تبدأ باستخراج ذرات الذهب من المخلفات، ففي نهاية اليوم في الحانوت، يأخذ العامل الكناسة، ثم يضعها في «صفيح حديد»، وربما ينقلونها إلى الأكياس التي تُحفظ فيها بالمخزن، حيث يفحصها الذين يرغبون في شرائها، ثم يستخرجون الذهب منها بعد ابتياعها.
وفي الخطوة الثانية، بعد طحن التراب الذهبي الذي يُستخلص من كناسة الصاغة، يُوضع في أوعية كبيرة، حيث يُغسل جيدًا بالماء، ثم يقوم العامل بنخله بمنخل خاص ذي فتحات دقيقة، ليحتفظ بالرواسب القريبة في وعاء خاص، ويستخرج منها الذهب المطلوب.
بعد ذلك تأتي عملية طحن الكناسة المتخلفة من العمل في حوانيت الصياغة، ويتم حرقها ليذهب ما علق بها من الورق والخرق، ثم توضع في «طاحن كبير» يسمى «مِبْه»، تمهيدًا لاستخراج الذهب منها، وبعد أن ينتهي تاجر الكناسة الذهبية من استخراج الذهب منها، يحوله إلى سبيكة بوضعه في فرن فاحم ووعاء خاص، وأخيرًا يذهب بهذه السبيكة إلى أحد الصاغة الذين اشترى منهم الكناسة، حيث يشتريها منه بعد تحليلها بسعر الذهب الخام.
حتى الماء الذي كان يغسل الصاغة فيه أيديهم كان يُباع، فبحسب «الكواكب» كانت أيدي الصاغة لا تخلو من ذرات الذهب التي تتعلق بها أثناء صناعة الذهب، ولهذا كان يُحفظ الماء المتخلف من غسل أيديهم في خزان خاص، حيث يستخرج منه التجار المتخصصون تلك الذرات بطرقهم الخاصة بعد شرائه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك