عالم موسوعي مسلم، لُقّب بأبي الكيمياء، ويُعد من أبرز رواد الكيمياء التجريبية في الحضارة الإسلامية، فهو أوَّل من أدخل التجربة العلمية المخبرية في منهاج البحث العلمي، محولا الكيمياء من مجرد نظريات وتكهنات إلى علم دقيق يعتمد على الملاحظة والتجربة.
اشتهر بوضع أسس العمليات المخبرية التي شكلت نواة علم الكيمياء الحديث، وتطوير عدد من العمليات الكيميائية الأساسية مثل التقطير والتبلور، كما يُنسب إليه تحضير أو وصف عدد من الأحماض والمركبات الكيميائية، مثل حمض الكبريتيك وحمض النيتريك، إلى جانب ابتكار أدوات مخبرية من بينها الإنبيق (وعاء للتقطير).
تتباين الروايات حول تفاصيل حياته، ولا سيما تاريخ مولده ووفاته، غير أن إرثه العلمي في مجال الكيمياء يُعد من أبرز ما أسهم في تأسيس هذا العلم وتطوره، حتى بات يعدّ من الآباء المؤسسين له، كما أن علمه امتد ليشمل التأليف والكتابة في علوم أخرى، وكانت مؤلفاته مرجعًا مهمًا في أوروبا -تحت اسم" Geber" - لقرون طويلة.
وُلد جابر بن حيّان بن عبد الله الكوفي، المعروف بالصوفي على أشهر الروايات سنة 101هـ/721م، وقيل 117هـ/737م، ويكنى بأبي عبد الله أو أبي موسى.
اختلفت المصادر في تحديد مكان مولده؛ فذهب فريق إلى أنه وُلد في طوس من بلاد خراسان (بإيران الآن)، وذهب آخرون إنه من طرسوس (جنوب تركيا الآن)، بينما تشير رواية ثالثة إلى أنه وُلد في حران ببلاد ما بين النهرين.
أما نسبته إلى الكوفة فلا تعني مولده فيها، وإنما تشير إلى طول إقامته بها.
يرجع نسب ابن حيان إلى قبيلة الأزد اليمنية، وكان والده حيّان الأزدي صيدليا ومن المناصرين للدعوة العباسية، ولعل جابر تأثر بمهنة والده.
ثم اتجه إلى الكوفة بعد قيام الدولة العباسية، وهناك تلقّى العلم على يد الإمام جعفر الصادق، وخالد بن يزيد بن معاوية الذي يُعد أول من تكلم في الكيمياء من العرب، ثم مارس الطب تحت رعاية الوزير جعفر البرمكي في عهد هارون الرشيد.
تميّز جابر بن حيان بتعدد اهتماماته العلمية؛ فبالإضافة إلى الكيمياء التي اشتُهر بها، أتقن الفلك والهندسة وعلم المعادن والفلسفة والطب والصيدلة، ووصفه المؤرخ جمال الدين القفطي (568-646هـ) في" إخبار العلماء بأخبار الحكماء" بأنه كان متقدما في العلوم الطبيعية بارعا في صناعة الكيمياء ذا تآليف كثيرة ومصنفات مشهورة.
وكان أبو بكر الرازي يشير إليه باستمرار بقوله" أستاذنا أبو موسى جابر بن حيان"، وقد بلغت منزلته في الكيمياء حدّ أن ابن خلدون وصفه في مقدمته بأنه إمام المدوّنين فيها، حتى إنهم خصّوها به فسمّوها" علم جابر".
وقال عنه الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون: " إن جابر بن حيان هو أول من علّم علم الكيمياء للعالم"، فيما وصفه الكيميائي الفرنسي مارسيلان بيرتيلو بأن" لجابر في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق".
كانت الكيمياء قبل جابر بن حيان لا تزال متأثرة بالموروث الخيميائي، الذي جمع بين الخبرة العملية في التعامل مع المواد والمعادن، وبين تصورات فلسفية عن إمكان تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة؛ إذ كان علماء تلك الحقبة يعتقدون أن المعادن المنطرقة مثل: الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير ترجع في أصلها إلى مادة واحدة، وأن اختلافها إنما ينشأ عن تباين صفاتها وطبائعها، كالحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف (نسبة إلى نظرية العناصر الأربعة: النار، والهواء، والماء، والتراب).
ومن هذا المنطلق ظهرت فكرة" الإكسير"، وهي مادة افتراضية اعتُقد أنها قادرة على تغيير خواص المعادن وتحويلها إلى معادن نفيسة، كما ارتبطت بها تصورات أخرى حول إطالة العمر أو علاج العلل، فيما عُرف في التراث باسم" إكسير الحياة" أو" حجر الحكمة".
وقد تأثّر ابن حيان بهذا الموروث، لكنه تجاوزه بإخضاعه للملاحظة الدقيقة والتطبيق العملي، فكان ذلك نقطة التحول التي أفضت إلى تفرّده عن أقرانه آنذاك باعتماده المنهاج التجريبي، إذ يُعَدُّ أوَّل من أدخل التجرِبة العلمية المخبرية في منهاج البحث العلمي الذي أرسى قواعده، ولذلك لُقب بأبي الكيمياء.
كما طوّر نظرية الميزان التي منح فيها أولوية قصوى لموازين الأشياء ومقاديرها، معتبرا أن العلم والعقل والميزان مترادفات لمعنى واحد، وأن معرفة مقدار الأشياء هي الأساس الذي يقوم عليه كل علم.
ولذلك كان أول من استخدم الميزان في التجارب العلمية لوزن المواد، مفضّلا لفظ" التدريب" على" التجربة"، تأكيدا على أهمية الممارسة العملية المتكررة، وكان يقول: " من كان دَرِبا كان عالما حقا، ومن لم يكن دَرِبا لم يكن عالما حقا".
تتعدد إسهامات جابر بن حيان في علم الكيمياء، فقد ترك بصمة في العديد من التقنيات التي ما زالت تستخدمها المختبرات حتى اليوم، ومن ذلك أنه:طور العديد من العمليات الكيميائية، مثل التقطير والتبلور والتذويب والتصفية والانصهار والأكسدة والاختزال والتسامي والترشيح.
اخترع عددا من الأدوات المخبرية التي لا تزال مستخدمة حتى اليوم: كالمبرد والكور والمنفخ والبوتقة والأمبيق والماشة والمستوقد.
كما يعد ابن حيان أول من استحضر عددا من الأحماض والمركبات الكيميائية في المختبر، ومن أبرزها:حامض الكبريتيك (زيت الزاج).
حامض الهيدروكلوريك (روح الملح).
ماء الذهب (الماء الملكي).
وبالإضافة إلى ذلك، فقد درس خصائص مركبات الزئبق واستحضرها، وابتكر القلويات التي احتفظت باسمها العربي (Alkali) في المصطلحات الكيميائية الحديثة، وكان أول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلّ باستخدام الأحماض.
وانعكست معارف جابر بن حيان في الكيمياء في العديد من التطبيقات العملية، ومن أشهرها:تحضير طلاءات مقاومة للصدأ.
صناعة ورق غير قابل للاحتراق.
استخدام ثاني أكسيد المنغنيز في صناعة الزجاج.
تثبيت الألوان باستخدام الشبة (ملح معدني طبيعي).
تنبّأ بطريقة صنع الفولاذ من الحديد.
وصف كيفية صنع ثياب تقاوم البلل.
تتباين الروايات بشأن عدد مؤلفات ابن حيان؛ إذ يذكر المؤرخ خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام أن له تصانيف كثيرة، قيل إن عددها بلغ 232 كتابا، وقيل إنها وصلت إلى نحو 500 كتاب، في حين يورد ابن النديم في الفهرست أنها تجاوزت 4 آلاف مؤلَّف، شملت مجالات الكيمياء والفلسفة والطب وصنائع الحرب.
وقد ضاع أكثر هذه المؤلفات، وتُرجم بعضها إلى اللاتينية والإنجليزية، وحُفظت بعض المخطوطات الناجية منها في مكتبات أوروبية، مثل مكتبة المتحف البريطاني ومكتبة باريس الأهلية ومكتبة كامبريدج، وظل الأوربيون يعتمدون عليها عدة قرون، وكان لها أثر كبير في تطوير الكيمياء الحديثة.
وعن ذلك يقول المستشرق الألماني ماكس مايرهوف إن" تطور الكيمياء في أوروبا قام على كيمياء ابن حيان".
ومن أبرز المؤلفات المنسوبة إليه:لا يتفق العلماء على تاريخ محدد لوفاة جابر بن حيان، فقد ذكرت بعض المصادر تواريخ مختلفة لوفاته تراوحت بين 160هـ/776م و200هـ/815م، ويرجح الزركلي أنه توفي عام 200 للهجرة، كما يشير السياق التاريخي لحياته وعلاقته بالبرامكة في عهد هارون الرشيد، إلى أنه عاش في أواخر القرن الثاني الهجري وبدايات القرن الثالث الهجري.
ولعل من المفارقة، أن الرجل الذي اختلفت الروايات في تفاصيل مولده ورحيله، ترك من الأثر ما لا يختلَف عليه؛ علما تجاوز حدود زمانه، وبصمة طُبعت في ذاكرة الحضارة، وميراثا معرفيا يستضيء به السائرون في دروب العلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك