بقلم: د.
سحر سالم (الخبير الاعلامي واستشاري الصحة النفسية ـ مدير عام إذاعة القناة سابقا)في زحام الحياة وتسارعها، يقف أصحاب المعاشات في مصر كصفحة مضيئة من تاريخ هذا الوطن، صفحة كُتبت بسنوات من العمل والتفاني، وبجهودٍ لم تكن يومًا عابرة، بل كانت حجر الأساس الذي قام عليه حاضرنا.
هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات التأمينات، بل هم الآباء والأمهات، المعلمون والعمال، الأطباء والموظفون، الذين منحوا أعمارهم لبناء مجتمع يستحق الحياة.
ومؤخرًا، شهدت ساحة المعاشات في مصر تحركات تشريعية مكثفة تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية هذه الفئة، فقد وافق مجلس الشيوخ في أواخر أبريل 2026 على تعديلات لقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، بهدف تحسين الأوضاع المالية وضمان استدامة الصناديق.
لكن التحدي الأكبر لا يزال قائمًا، وهو الحفاظ على القيمة الحقيقية للمعاش في ظل موجات التضخم المتلاحقة.
لذلك جاءت المطالب بربط الزيادة السنوية بمعدل التضخم، حتى لا يفقد المعاش قدرته على تلبية الاحتياجات الأساسية، فالمعاش ليس منحة، بل هو أجر مؤجل، وحق أصيل يضمن لصاحبه حياة كريمة بعد سنوات العطاء.
ومن أبسط حقوق أصحاب المعاشات أيضًا أن ينالوا مستحقاتهم فور خروجهم من الخدمة، دون تأخير أو تعقيد في الإجراءات.
فهذه الأموال ليست هبة من أحد، بل هي حصيلة سنوات طويلة من العمل والاقتطاعات المنتظمة من دخولهم، وبالتالي فإن تأجيل صرفها يُعد عبئًا إضافيًا على من هم في أمسّ الحاجة إليها.
إن حصولهم على حقوقهم بشكل فوري وعادل هو الحد الأدنى من الإنصاف الذي يستحقونه.
كما تضمنت التعديلات معالجة العجز التمويلي المتراكم، عبر زيادة مساهمة الدولة، إلى جانب تحسين آليات حساب المعاش وإتاحة نظم جديدة مثل معاش ربة المنزل، وهو ما يعكس توجهًا نحو شمولية الحماية الاجتماعية.
كذلك، فإن رفع سن التقاعد تدريجيًا حتى 65 عامًا يهدف إلى تحقيق توازن بين الاستدامة المالية وحقوق الأجيال القادمة.
ورغم أهمية هذه الخطوات، فإن أصوات أصحاب المعاشات لا تزال تطالب بالمزيد.
فهم يواجهون تحديات يومية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ويحتاجون إلى سياسات أكثر جرأة تستجيب لواقعهم.
إنهم لا يطلبون رفاهية، بل يسعون إلى الحد الأدنى من الأمان والكرامة.
ويأملون أن ترى هذه التعديلات النور في أقرب وقت، ليستمتعوا بثمارها قبل فوات الأوان.
في النهاية، يبقى أصحاب المعاشات صمام الأمان الحقيقي للمجتمع، وخزان الخبرة والحكمة الذي لا يُقدّر بثمن.
إن الاهتمام بهم ليس مجرد واجب حكومي، بل هو مسؤولية مجتمعية تعكس مدى إنسانيتنا وتقديرنا لمن صنعوا حاضرنا، فحين نكرمهم، فإننا نكرم أنفسنا، ونؤسس لمستقبل أكثر عدلاً ورحمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك